قانون الاستبدال في الحياة وشروط الفلاح
|
*طاهر القزويني
تسود الحياة حالة التغير والتبدل في مسيرة التطور والنمو المستمر، وهو ما نلاحظه في الكائنات الحيّة من انسان وحيوان ونبات، إلا ان الانسان ذا الصفات المميزة ابرزها حبّ الخلود والتملك والهيمنة، يعد هذه الحالة بمنزلة الهاجس الذي يقض مضجعه دائماً، لذا هو امام اسئلة تدور في ذهنه اهمها: ما سيكون مصيره امام التبدل والتغيّر الذي قد يفاجئه او يواجهه؟ وهل كل شيء قابل للتغير والتبدّل في الحياة التي يعيشها؟
القرآن الكريم هو خير من يزيل الغموض من ذهن الانسان ويجيب على كل الاسئلة والمخاوف التي تعتلج في صدره؛ ففي آيات واضحة يبين لنا كتابنا المجيد كيف يستبدل الله تعالى اشخاصاً بل حتى اقواماً بآخرين لاسباب مختلفة.
فقد يرزق بعض الناس بمولود جديد فيفرحون به أيما فرح، وتزداد فرحتهم به أكثر فاكثر مع نمو الطفل واعتدال جسمه واكتسابه مسحة من الجمال والجاذبية، لكن فجأة يتوفى ذلك الطفل لسبب أو لآخر، فيصاب الأبوان بالذعر ويتملكهما الحزن الشديد على ذلك الطفل الذي فقدوه، وربما قادهم ذلك الحزن إلى القول بما لا يرضي رب العزة وحتى إنكار قضائه سبحانه وتعالى، وهم يجهلون الحكمة التي من أجلها قبض الله روح ذلك الطفل وهو طري العود، ولو كانوا عالمين بذلك ما جزعوا ولا شكوا الله بل لشكروه على قضائه وقدره، لماذا؟ لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لا يأخذ شيئا إلا ويعطي الانسان بديلاً له، وحينما نقول ان الله أباد أقواماً في التاريخ فانه قد أتى باقوام آخرين يلجون نفس الاختبار في هذه الحياة، كما ان موت الاشخاص وإن كانوا مهمين وذوي تأثير كبير وبالغ في الاسرة والمجتمع، فان هذا الموت لن ياتي لاهل الميت بالشر وعدم الاستقرار، ففي سورة الكهف وضمن قصة نبي الله موسى مع الخضر ـ عليهما السلام ـ يبين القرآن الكريم حكمة الموت بجلاء "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا* فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا" ان الله ـ سبحانه وتعالى ـ أبدل هذين الأبوين الصالحين إبنهما الفاسد بآخر صالح، فقبض الأول وبعث الروح في الثاني، وهكذا وقع قانون الاستبدال بحق ذلك الصبي ولصالح أبويه المؤمنين، ولان معظم الناس لايعرف هذه الحقيقة فإنهم يفسرون الامور ويقيمونها بشكل آخر ويقولون على سبيل المثال، عندما يقابلون رجلاً فقد ابناً صغيرا: (ساعد الله قلبه لقد حرم نعمة الولد)! ولو كان هؤلاء الناس يستطيعون أن يشاهدوا ويلمسوا العذاب الذي سيلاقيه هذا الأب على يد ولده لو كان مستمراً في الحياة، لتألموا لحاله وقالوا: لو لم يملك الأب هذا الابن الشقي لكانت حياته أكثر سعادة.
ربما يأتي هذا الكلام لتوضيح بعض ما خُفي عن الناس والحكمة الموجودة في قضاء الله وقدره، لكننا نريد هنا أن ندخل إلى ما هو أعمق من ذلك، حيث دور الانسان في عملية الاستبدال وفي تحقيق القضاء والقدر، ولو تعمقنا أكثر وأكثر في الآية التي ذكرناها، لوجدنا أن كون الأبوين من أهل الإيمان أتاح ذلك لهما فرصة الإستبدال من السيئ إلى الأحسن وحتى من دون أن يطلبوا ذلك، وقال الباري ـ عزوجل ـ "فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراً منه" والسبب في تعلق إرادة الله بهذا الأمرحسب الآية "فكان أبواه مؤمنين".
وقبل ان نتوقف عند هذه القصة، سننتقل إلى قصة أخرى توضح هذه المسألة بشكل أكبر وأوسع، وفيها يقول القرآن الكريم في نفس سورة الكهف: "وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ.."، فهذه الآية توضح بشكل جلي كيف أن الغيب يتدخل لصالح طفلين، ولكن هذا التدخل لم يأت من فراغ، إنه كان بأثر الأعمال الصالحة التي كان يقوم بها أبوهما.
إذن.. الاستبدال يمكن ان يحدث، بل ويكون للإنسان دور في عملية تبديل وتغيير الأشياء، غير أنه لايعرف مفاتيح هذه التغييرات، لذا يظن بأن الأمور تسير في الدنيا وكأنها عبثية وتقع بالصدفة، فلو أن أهل القرية الذين لم يطعموا نبي الله موسى وصاحبه الخضر ـ عليهما السلام ـ والذين قدما إلى قريتهم كما في القصة القرآنية، ولو أنهم لاحظوا أن هذين الرجلين الصالحين يبنون الجدار وبعد سنوات اكتشفوا أنه كان تحت الجدار الذي أقاموه كنزاً، لقالوا جميعاً أن ما فعله هذان الصالحان من إقامة الجدار هو عمل بالصدفة، وأنه لو عثر الولدان على كنزهما لقال الناس إن ذلك حصل بالصدفة، ولكن من يعلم بحقيقة القصة وأسرارها سيقول: كلا، لم يحدث ذلك كله بالصدفة، وإنما حدث بارادة الله.
صحيح، أن إرادة الله هي فوق كل القوانين، لكن الله سبحانه أقر قوانين وسنناً تعهد هو ـ عزوجل ـ الإلتزام بها، ومن ذلك على سبيل المثال وعده بنصرة المؤمنين فهذه سنّة لايمكن أن تتغير أو تتبدل لأن الله ـ عزوجل ـ كتب على نفسه نصر المؤمنين، وهذه القضية أيضاً تدخل في صلب موضوعنا حول الإستبدال، فهناك أشياء لاتقبل التغيير والتبديل مهما حصل في الدنيا ومنهما (كلمات الله) كما جاء في سورة يونس "لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"، وقال ـ عزوجل ـ أيضاً "لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا)، ومن الأمور التي لاتبديل لها ايضاً هي (سنن الله) حيث قال عزوجل: "فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا"، وقال عزوجل "سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا"، ولو كانت سنة الله وكلماته قابلة للتغيير والتبديل لما استقر الكون على حال، لأنه سيشهد تحولات كبرى لايستطيع الانسان أن يفهمها أو يدرك مغزاها أو حتى كيفية التعامل معها، فنحن الآن نستطيع أن نعيش في هذه الدنيا وعلى الكرة الأرضية لأنها تتبع قوانين وتشريعات ثابتة وأن اي تغيير بسيط في هذه القوانين سيدمر الحياة برمتها، ومن هذا الباب فأن خلق الله أيضاً لاتبديل فيه ولاتغيير، فالخروف يأتي إلى الدنيا بهذا الصوف وبهذه الخلقة وبهذه الغريزة، فلو حدث تغيير على مستوى خلقة الخروف وأتى إلى الدنيا خروف لديه عقل وشعور.. ما الذي سيحدث؟! وكيف سيكون التعامل معه؟! هذا مثال، ولكنه يمكن أن يصدق على كل المخلوقات الأخرى كالجماد والنبات، تصور مع نفسك أن النباتات كانت تسمع وترى وتتكلم ماذا كان سيحدث؟ ولو أن الأحجار كانت تتصرف بعقل وحكمة ماذا كان سيجري؟ إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أجرى عليها قانوناً واحداً وهو نفس القانون الذي كان سارياً منذ اليوم الأول للخلق وحتى أيامنا هذه وقال ـ عزوجل ـ "لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ".
ولكن هناك استبدالاً يحدث على مستوى آخر، هو مستوى الخير والنعمة والإيمان والبشر، وتجري في هذه المستويات تحولات دائمية، فالإنسان في حالة تغيير وتقلب مستمر، فمرة مؤمن ومرة فاسق ومرة صادق ومرة كاذب ومرة كريم ومرة بخيل وكل حالة يكون فيها الانسان هي ذات تأثير على الحياة على الماء والهواء والتراب، والنعمة أيضاً في حالة تغييرات دائمية في زيادة ونقصان والخير أيضاً والايمان كذلك.
وهنا قد يتساءل المرء ويقول ما هي ضرورة الإستبدال ولماذا نبحث في مثل هذا الموضوع؟
قانون الإستبدال كغيره من القوانين والسنن التي جعلها الله ـ سبحانه وتعالى ـ لتنظيم حياة البشر، ومن الضروري للإنسان الذي يعيش على هذه الأرض أن يتعرف على هذه القوانين لأنها هي التي تتحكم بالحياة، فالإنسان قد لايجد هذه الحقيقة بسهولة ولايجدها في الدراسات الاكاديمية سوى جامعة القرآن الكريم، فهي التي تهدي الإنسان إلى هذه البصائر حتى يتعرف على طبيعة الحياة التي يعيشها.
ومن الأمور التي ينبغي عليه معرفتها، أن النعمة التي بيده هي قابلة للإستبدال والتغيير، وإذا كان الإنسان عارفاً بهذه الحقيقة، فإنه لن يرتبك ولن يصيبه الهلع عندما تزول النعمة التي لديه، لكنه يجب عليه أن يتساءل لماذا زالت هذه النعمة وإذا قرأنا القرآن الكريم فإنه أيضاً سيجيبنا عن هذا التساؤل ويقول ـ عزوجل ـ "وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ"، وعندما يتساءل المرء ويقول لماذا جرى هذا التغيير والإستبدال في النعمة، يجيب القرآن العظيم في الآية التي تليها "ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ"
فتلك كانت قصة الأولين، وهي مثل لنا لكي نعتبر ونأخذ الدروس من ذلك ولكي لايكون مصيرنا كمصيرهم، فأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ حول نعمتهم إلى فناء، واستبدلهم بأقوام آخرين، لأن الاستبدال لايقتصر على الخيرات والنعمات بل يشمل كذلك إستبدال البشر وهناك آيات فضلاً عن هذه الآية تدل على هذا المعنى ومنها على سبيل المثال: "إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ" فهذا الخطاب هو غير موجه للكفار والمشركين وإنما المقصود به هو المسلمون الذين يتخلون عن الجهاد، وفي آية أخرى يقول الباري ـ عزوجل ـ في سورة محمد "وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ"، وكما يبدو أن هناك غاية من هذا الإستبدال، وأن هناك دوراً يجب أن يؤديه هؤلاء المستبدلون، هذا الدور الذي عجز عنه الذين سبقوهم.
وهناك خيط رفيع يربط ما بين قانون الإستبدال وما بين السيئة والحسنة، ويمكن وصف هذا القانون أي (قانون الإستبدال) بالمتحرك وفق قاعدة السيئة والحسنة، فأنت تستطيع أن تستفيد من قانون الإستبدال بشأن النعم والخيرات إذا عرفت كيف تتعامل مع موضوع السيئة والحسنة؛ فالذي لايعرف هذا الأمر لن يدرك أبداً، بأن تحوله من الحسنة إلى السيئة سيؤدي به إلى الوقوع في قانون الإستبدال، بأن تتغير نعمته إلى نقمة، وفي المقابل أيضاً هو يستطيع أن يبدل ما به من سوء إلى نعمة من خلال تحوله من السيئة إلى الحسنة، وبالنسبة إلى المعنى الأول يقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ في سورة البقرة "وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُ فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ" وأما بالنسبة إلى المعنى الثاني فيقول الله ـ سبحانه وتعالى ـ في سورة الفرقان: "فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ"، والسيئة والحسنة في اللغة العربية لها معانٍ تشمل الأذى والمصيبة بالنسبة إلى السيئة، وفي مقابل الخير والنعمة تعني أيضاً الحسنة، كما في الآية من سورة آل عمران "إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا" أو الآية الأكثر وضوحاً في سورة النساء "وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ" وهنا إذا عرفنا قانون الإستبدال وأنه يخضع لقاعدة السيئة والحسنة، سنعرف كيف نستفيد من هذا القانون لصالح دنيانا وآخرتنا.
|
|