قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

حرية الرأي عند أمير المؤمنين (ع)
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *جعفر ضياء الدين
تُعد حرية الرأي من الضروريات الملحة والأساسيّة في حياة مجتمعات الأمم، لذلك خصها الاسلام بجانب كبير من الأهمّية ضمن حدود الفطرة الانسانية والقواعد العقلانية، مراعياً في ذلك النظام والأمن الاجتماعيين.
ثم ان الإسلام أكد على حرّية الرأي من خلال التأكيد على الشعور بالمسؤولية الجماعية تجاه الحكام والمتصدّين لإمور المجتمع، فجاء الهتاف المدويّ للرسول الأكرم (ص): (كلكم راع وكلكم مسؤولٌ عن رعيته)، وعلى هذا نالت مسألة الشورى والتشاور، أهمّية كبيرة كونها ضمن صور حرّية الرأي والتعبير.
كما ان الاسلام أوجد مكانة مرموقة وأساسية لحرية الرأي ومفهوم المشاركة في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والشعور بالمسؤولية تجاه المجتمع.
فاذا وضع الرسول الاكرم -صلى الله عليه وآله- أسس وقواعد الحرية للانسان في ظل القيم والمبادئ الاسلامية، فان خليفته الحق ووصيه على الرسالة الإمام أميرالمؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) حمل هذه الامانة في ظروف سياسية واجتماعية شابها التعقيد، لاسيما وان فاصلة بعيدة حالت بينه وبين تسلمه الخلافة، فتحت تلك الفترة العصيبة من تاريخنا الاسلامي، فضاءات واسعة من حرية الرأي لم يعهدها المسلمون من قبل، بل تحولت تلك الفضاءات والاجواء التي أوجدها أمير المؤمنين –عليه السلام- الى صورة نموذجية بل ومثالية على مر الاجيال.
وابرز درس علمنا إياه أمامنا هو ان الحكومات العادلة والشرعية لن تخشى يوماً النقد وان اجواء حرية الرأي والتعبير والمعتقد لن تشكل أي خطر عليها لأنها قوّية بشرعيتها فكان الإمام (ع) يخاطب الرعيّة ويقول لهم دوماً: (فلا تكلّموني بما تكلّم به الجبابرة ولاتتحفظوا منّي بما يتحفظ عند أهل البادرة ولاتخالطوني بالمصانعة ولاتظنوا بي استثقالاً في حق قيل لي، فلا تكلفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل)، وهناك كثير من الشواهد التأريخية والقصص تعكس بوضوح التزام الإمام بمبدأ حرّية الرأي وإفساح المجال للمعارضين لكي يدلوا برأيهم دون اي حرج أو حتى خوف.
ولم يكن الامام ـ عليه السلام ـ يجهل وجود أناس مغرضين يتربصون به الدوائر، لكن وجودهم لم يثنه عن مبدئه القويم بتطبيق حرية الرأي والتعبير بين المسلمين، وكان الخوارج في مقدمة أولئك المستغلين للأجواء المنفتحة إبان خلافته -عليه السلام-؛ هذه الفئة الضالة لم تكفّ عن الإساءة إلى الامام وإلى حكومته العادلة حتى اثناء وجود الإمام في المسجد بل وحتى اثناء الصلاة وحديثه مع الناس.
فكان البعض من هؤلاء يعمل على حرمان الناس من الاستماع إلى كلام وخطب الإمام بل وكانوا ينسبون له الكفر والشرك عبر تلاوتهم لبعض الآيات من القرآن، فرغم هذا التعامل السيئ كان الإمام يعاملهم بمنتهى درجات الحلم والصفح، واستمر الحال معهم طالما لم يشهروا السلاح بوجه المسلمين.
فلم يجد ذلك التعامل الإنساني والرباني معهم أي نفعٍ بل بادروا بالتآمر العسكري ضد الإمام وراحوا يشعلون الفتنة والحروب في كل مكان وأصبحوا يشنون الحملات على الناس العزل فيقتلون ويسفكون الدماء وينتهكون الاعراض مما إضطرّ الإمام أن يبادر إلى منعهم من تلك الجرائم وخوض القتال ضدهم بهدف انقاذ ارواح الناس.
وهكذا نجد أن حياة الإمام مليئة بالقصص والشواهد الدالة على سعة الصدر والالتزام بقيمة الحرية التي كفلها الاسلام للانسان، والذي بات يعرفها اليوم باسم (الديمقراطية)؛ والعجيب في ذلك أن الإمام ـ عليه السلام ـ كان يحثّ الناس ويلتمس منهم أن يستفيدوا من أجواء الحرية، الأمر الذي لم يشهدهُ تاريخ الساسة والحكام على مر العصور فيقول عليه السلام: (فأعينوني بمناصحةٍ خليّةٍ من الغش سليمة من الريب)، بمعنى ان القول الناصح هو القول الذي يهدف إلى الخير ولايهدف إلى اشعال فتيل الفتنة والتآمر.
وكان عليه السلام يقول في خصوص الحقوق المتبادلة بين الحاكم والرعيّة: (أيها الناس؛ إني والله ما أحثّكم على طاعة ألاّ وسبقتكم إليها، ولا أنهاكم عن معصيةٍ إلاّ وأتناهى قبلكم عنها)، ثم يشير الإمام -عليه السلام- إلى قضيّة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بوصفها صورة من صور المشاركة الجماهيرية، في حين توصل الاوربيون في القرن السادس عشر وبعد الثورة الفرنسية عام 1789 الى فكرة (الحريات العامة) التي سمحت للافراد بتشكيل الجمعيات والاتحادات وغيرها في مجالات واصناف مختلفة، بينما يدعو الامام ـ عليه السلام ـ الى تحمل مسؤولية جماعية وخلق السعادة وايجاد الكرامة من قبل الجميع وللجميع، فيقول: (لاتتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولّى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم)، ويقول عليه السلام أيضاً: (.. والأمر بالمعروف مصلحة للعوام).
ويضيف الإمام قائلاً: (ما أعمال البر كلها والجهاد في سبيل الله، عند الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلاّ كنفثةٍ في بحرٍ لجيّ... وأفضل من كل ذلك كلمةُ عدلٍ عند إمام جائر).