في ذكرى مولده السعيد
علي (ع) .. شمس في التاريخ وضياء للمسقبل
|
*عبد الامير كاظم
عاصر الإمام عليّ ـ عليه السلام ـ الحركة الرسالية منذ بدايتها حتى انقطاع الوحي برحيل رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ، وكانت له مواقفه المشرّفة والتي يغبطه عليها الجميع في دفاعه عن الرسول والرسالة طيلة ثلاثة وعشرين عاماً من الجهاد المتواصل والدفاع المستميت عن حرم الإسلام الحنيف، وقد انعكست مواقفه وإنجازاته وفضائله في آيات الذكر الحكيم ونصوص الحديث النبويّ الشريف.
قال ابن عباس: قد نزلت (300) آية في عليّ. وما نزلت: "يا أيّها الذين آمنوا" إلاّ وعليّ أميرها وشريفها. ولقد عاتب الله أصحاب محمّد في آي من القرآن وما ذكر عليّاً إلاّ بخير.
ولكثرة ما نزل في علي (عليه السلام) من الآيات المباركة; خصّص جمع من المتقدّمين والمتأخرين كتباً جمعت ما نزل فيه (عليه السلام). ونشير الى بعض الآيات التي صرّح المحدّثون بنزولها في حقّه منها:
1 ـ عن ابن عباس أنه كان مع عليّ بن أبي طالب أربعة دراهم لا يملك غيرها، فتصدّق بدرهم ليلاً وبدرهم نهاراً وبدرهم سرّاً وبدرهم علانيةً، فأنزل الله ـ سبحانه وتعالى ـ: "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرّاً وعلانية فلهم أجرهم عند ربّهم ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون".
2 ـ وعن ابن عباس أيضاً: أنّ عليّاً (عليه السلام) تصدّق بخاتمه وهو راكع، فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله) للسائل: من أعطاك هذا الخاتم؟ قال: ذاك الراكع، فأنزل الله: "إنّما وليّكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون".
3 ـ وقد عَدت آية التطهيرعليّاً (عليه السلام) من أهل بيت الوحي المطهَّرين من كلّ رجس، وكذلك الحال في قصة المباهلة والآية التي نزلت بهذا الخصوص.
4 ـ شهدت سورة الإنسان بإخلاص عليّ وأهل بيته وخشيتهم من الله، وتضمّنت الشهادة الربّانية لهم بأنّهم من أهل الجنّة.
وعقد أرباب الصحاح وغيرهم من المحدّثين فصولاً خاصّة بفضائل عليّ(عليه السلام) في أحاديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم تعرف الإنسانية في تأريخها الطويل رجلاً أفضل من عليّ (عليه السلام) بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولم يسجّل لأحد من الفضائل ما سجّل لعليّ بن أبي طالب بالرغم من كلّ ما ناله عليّ (عليه السلام) من سبّ وشتم على المنابر طوال حكم بني اُميّة وما تداوله مبغضوه. وهم في صدد انتقاصه حتى لم يجدوا للعيب موضعاً فيه، ومما قاله عمر ابن الخطّاب: إنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: (ما اكتسب مكتسب مثل فضل عليّ، يهدي صاحبه الى الهدى ويردّه عن الردّى).
وقيل لعليّ (عليه السلام): ما لك أكثر أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) حديثاً؟ فقال: (إنّي كنت إذا سألته أنبأني، وإذا سكتّ ابتدأني)، واعترف الخلفاء جميعاً بأنّ عليّاً أعلم الصحابة وأقضاهم، وأنّه لولا عليّ; لهلكوا حتى صارت مقولة عمر مضرب الأمثال: (لولا عليٌ لهلك عمر)، وعن جابر بن عبدالله الأنصاري أنّه قال: ما كنّا نعرف المنافقين إلاّ ببغض عليّ بن أبي طالب، ولمّا بلغ معاوية مقتل عليّ (عليه السلام) قال: ذهب الفقه والعلم بموت ابن أبي طالب!
وفي عصرنا الحاضر قال الاديب اللبناني المسيحي جورج جرداق في كتابه (الإمام عليّ صوت العدالة الإنسانية): إنّ عليّ ابن أبي طالب من الأفذاذ النادرين، إذا عرفتهم على حقيقتهم بعيداً عن الصعيد التقليدي عرفت أنّ محور عظمتهم إنّما هو الإيمان المطلق بكرامة الإنسان وحقّه المقدّس في الحياة الحرّة الشريفة، وبأنّ هذا الإنسان منظور أبداً، وبأن الجمود والتقهقر والتوقّف عند حال من أحوال الماضي أو الحاضر ليست إلاّ نذير الموت ودليل الفناء.
وبقدر ما بقي عليّ رمزاً للقيادة السياسية والاجتماعية معاً، ملتزماً مع جيل الصحابة الكبار بالمفهوم الأوّل للإسلام كهداية وتضحية من أجل إصلاح العالم ودفعه الى طريق الحقّ والعدل، كان معاوية يبرز من خلال صراعه مع عليّ ممثلاً لجيل المسلمين الجديد الذي وضعته الفتوحات في قمّة السلطة من جهة، وفرضت عليه أن يرى الاُمور أيضاً من وجهة نظر الحفاظ على المكتسبات المادية... وفي ظل هذه المواجهة العنيفة التي كان البادئ فيها معاوية ودفع ثمنها المسلمون بدمارهم وتمزقهم، كان الاخير يضع أسس السياسة الدنيوية التي تعنى بالتسلط والهيمنة بكل الاشكال وباستخدام كل الوسائل حتى غير المشروعة منها.
وكان خير من وصفه الكاتب القدير السيد هاشم معروف الحسني بقوله: لقد كان الإمام عليّ بن أبي طالب حدثاً تأريخياً غريباً عن طباع الناس وعاداتهم منذ ولادته وحتى النفس الأخير من حياته، فقد أطلّ على هذه الدنيا من الكعبة، فكانت ولادته في ذلك المكان حدثاً تأريخياً غير مسبوق لأحد قبله ولا لأحد بعده، وكما دخل هذه الدنيا من بيت الله، فقد خرج منها حين أقبل عليه الموت من بيت الله؛ وقال: ولم يحدث لإنسان غيره ما حدث له، فقد وضعه من لا يؤمنون به إيمان شيعته ومحبّيه في طليعة قادة الفكر وعباقرة العصور، ووصفه المعتدلون من محبّيه الى جانب الأنبياء والمرسلين، والمغالون منهم في مستوى الآلهة.
|
|