قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
نوافذ أبي ذر الغفاري (11)
العالم؛ بين الاصلاح والإفساد
بعد الحديث في الحلقة السابقة وكانت بعنوان (الموت يأتي بغتة) عن ضروره اغتنام الفرص لعمل الخير والانابة الى الله قبل فوات الاوان وحلول الاجل وجدنا من الضروري الاشارة الى ان في مقدمة المعنيين بهذا الامر هم العلماء، لسبب بسيط وواضح هو علمهم ومعرفتهم بأمر الدين والدنيا وعلى اطلاع بخفايا الامور ومآلاتها وهو ما قد يخفى على كثير من الاناس العاديين.
ولذا جاء على لسان احد العلماء الأجلاء: إن ما يعيق الانسان دون استثمار عقله، او ان يفكر في عاقبته امران؛ الاول: الجهل، والثاني: الشيطان؛ فهذان العاملان غالباً ما يتسببان في ضحالة الفكر وعيب السلوك، فالشيطان من ناحيته خبير بكيفية تحقيق اهدافه المشؤومة، دون ان تتضاءل رغبته في التسلط على الانسان والتحكم به ابداً، ولكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يجعل له سلطاناً او سبيلاً على ابن آدم بحيث يجبرانه على الخنوع له، كما ان إرادة الكائن البشري وعلمه كفيلان بأن يستطيع وفقهما مواجهة الوساوس الشيطانية والتحصن دون اذاه ومؤامراته المتعددة الاشكال والالوان.
ان الله ـ جل ثناؤه ـ قد جعل في داخل الانسان (مصباحاً) يضيء له الظلمات التي قد تحيط به، فيعرف ويتحسس به طريقه القويم من الطرق الملتوية، وجعل مفتاح هذا المصباح بيد الانسان دون سواه، وهو الذي ينبغي له ان يفعّل هذا المصباح بإرادته، فيستطيع ان يوقده او يطفئه، وهذا المصباح هو (العقل) القادر على هداية الانسان، ومن ثم يمكن القول بان العقل هو جناح ابن آدم، بينما الشهوة جناح الشيطان.
وقد سئل امير المؤمنين ـ سلام الله عليه ـ عن خير خلق الله بعد ائمة الهدى ومصابيح الدُجى ـ سلام الله عليهم ـ، فقال صلوات الله عليه: (العلماء إذا أصلحوا)، ثم قيل ومن شر خلقٍ الله بعد ابليس وفرعون ونمرود وبعد المتسمين بأسمائكم وبعد المتلقبين بألقابكم والآخذين لامتكم والمتأمرّين في ممالككم؟ قال ـ عليه السلام ـ: (العلماء إذا فسدوا، ثم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق...).
فالامام هنا لم يقل ـ وفق هذا النص الشريف ـ بافضل الناس من يؤدي صلاة الليل، او يعطي الخمس من امواله، وغير ذلك ممن يقومون بالاعمال الصالحة، رغم فضلها وعظمتها، ولكنه اكد ان افضل عباد الله تعالى هم العلماء إذا فعّلوا عقولهم واطاعوا مولاهم واصبحوا صالحين.
ولنا مثال في الحد الفاصل بين العالم الصالح والآخر الطالح، فقد كان الحسين بن روح والشلمغاني هما من علماء الاسلام، وكانا يتمتعان بمستوى من العلم الرفيع، إلا ان جوهر الصلاح نما في الحسين بن روح فقط، على عكس شخصية الشلمغاني الذي اخذ يبتعد تدريجياً عن الصلاح، رغم انه كان اكثر شهرة من ابن روح، كما كان الناس يرجعون اليه في المسائل الشرعية، ولكننا نرى في نهاية المطاف ان الحسين بن روح ـ رحمه الله ـ اصبح النائب الخاص الثالث للإمام صاحب العصر والزمان ـ عجل الله تعالى فرجه الشريف ـ
لقد كان هذان الشخصان وفي سنين مديدة متصديين لحل مشاكل الناس ويفتيانهم بمسائلهم الشرعية، ولكن كلما مر الوقت كان الحسين بن روح رحمه الله يقترب من الخير والصلاح درجاتٍ، بينما الشلمغاني يبتعد عن الحق وتضيع عليه الحقائق وتلتبس، الى ان بلغ الامر ان خرج التوقيع الشريف من الإمام المهدي ـ عجل الله فرجه الشريف ـ يقضي بلعن الشلمغاني والتبرؤ منه.
هنا لا ينبغي التصور بان الحديث المتقدم عن امير المؤمنين ـ سلام الله عليه ـ قد ورد بحق المراجع وعلماء الطراز الاول فقط، بل هو حديث يشمل جميع الذين يكتسبون العلم، كل بمستواه؛ ما يعني ان على طلاب العلوم المختلفة ـ من جامعيين وحوزويين وغيرهم ـ أن يطبقوا هذا الحديث الوارد عن امير المؤمنين ـ سلام الله عليه ـ على انفسهم ويجعلوا منه نبراساً وضياءً ملهماً لهم.
إن الجميع يتمتع بوجود المؤهلات الذاتية لبلوغ منزلة الحسين بن روح رحمه الله بل اعلى منها ايضاً، لا سيما ان هذا النائب العظيم لم يتلق اية ضمانة في عدم بلوغ شخص ما درجة اسمى من درجته، ولكن مفتاح الوصول منوط بالانسان ذاته.
ففي الحديث المتقدم المروي عن الإمام امير المؤمنين ـ سلام الله عليه ـ تمت الإشارة الى ان شر الناس عند الله هم (إذا فسدوا)؛ ومن ثم فان تحديد واقع العالم ومصيره مرتهن به ومتعلق بإرادته، فاذا سعى وجاهد ونجح في مهمة الجمع بين العلم والصلاح، اصبح من افضل الناس، اما إذا فشل في جمع الصلاح والخير الى علمه، وسقط في الصراع مع نفسه الامارة بالسوء والشيطان، فانه لا شك سيصبح الكائن الأسوأ في المجتمع البشري برمته.
وهاتان العبارتان ـ خير الناس وشر الناس ـ دليلان واضحان على ما لإ رادة الانسان من دور اساس مهم ومؤثر في تحديد مصيره، ولابد من الاخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والتربوية في صياغة الشخصية وتحديد نوعها، لان لكل منهما تأثيره ودوره في تنمية الإنسان، ولكنهما ـ مع ذلك ـ ليسا العاملين الاكبرين.
مثال ذلك: ان شهر رمضان المبارك فرصة رائعة من حيث الزمان لكي يستفيد منها الانسان لتسهيل المهمة القاضية بتربية نفسه وتهذيبها، مع ملاحظة ما ورد في الاحاديث المأثورة عن اهل البيت ـ صلوات الله عليهم اجمعين ـ والقائلة بان الله ـ عز وجل ـ سيحبس الشياطين بالحديد عن ان توسوس لبني آدم في هذا الشهر الفضيل، ولكن هل تكفي فرصة شهر رمضان في استغلال هذا الاستثناء الرائع لكي ينجز الإنسان مهمته الكبرى، والتي من اجلها قد خلق؟!
الاجابة تاتي من خلال اشارات بعض العلماء وتعابيرهم، بان الشياطين بمثابة اشياء تتحرك باتجاه الانسان بواسطة جاذبيتها الذاتية وجاذبية النفس الامارة بالسوء لها، إلا ان مانعا كبيراً يصدر من قبل الله تعالى في شهر رمضان المبارك يحول دون اتمام عملية التجاذب، ولهذا المانع قدرة اكبر من قوة الجاذبية الشيطانية، ولكن تبقى جاذبية الشهوات والنفس الامارة بالسوء قادرة على الاقتراب من الشيطان في شهر رمضان، ولولا وجود جاذبية الشهوات والنفس الامارة، لما كان هناك من يقترف ذنباً طيلة هذا الشهر.
ولنا ان نفهم من خلال روايات اخرى، حقيقة الوسائل والاسباب التي تحطم اغلال الشياطين، التي هي مظهر من مظاهر العناية الإلهية؛ والى ذلك قال امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ: (الفتن ثلاث: حب النساء، وهو سيف الشيطان، وشرب الخمر، وهو فخ الشيطان، وحب الدينار والدرهم، وهو سهم الشيطان).
ولبعض اصحاب المعصومين ـ سلام الله عليهم ـ تفاسير وتحاليل وآراء في روايات المعصومين ـ عليهم السلام ـ بصورة عامة؛ ومثال ذلك: ان علي بن ابراهيم القمي ـ رضوان الله عليه ـ وهو من اصحاب عدد من الائمة الطاهرين ـ عليهم السلام ـ، وكذلك يعد استاذاً للعلم المحدث الشيخ الكليني ـ رحمه الله ـ، اورد ان من جملة الاسباب التي تفك القيود عن الشيطان وتمنحه القدرة على النفوذ مرة اخرى، الرياء والعجب وعند إخراج الخمس والزكاة، فما يستفاد من مجموع هذه الروايات ان شهر رمضان المبارك هو شهر خاص واستثنائي.