قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

سرقة الآثار والتدمير المتعمد لتاريخ الحضارة العراقية
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة د. وليد سعيد البياتي
لاشك ان أرض بلاد الرافدين قد شكلت أقدم المراكز الحضارية وأهمها، من أوروك ولارسا والسلالات التي حكمت المدن السومرية والاكادية حيث تم استعمال اللغة الاكادية الى جانب السومرية في التدوين، ثم بعد ذلك الحضارة البابلية التي انتجت التراث البابلي العريق حيث شكلت القوانين اهم مميزات العصر كما في مسلة حمورابي. فالتحول الحضاري عبر اكثر من سبعة آلاف عام من حركة التاريخ وأنتقال هذا التحول إلى ارقى مفاهيم العمارة والاداب والعلوم والفنون في العصور الاسلامية المختلفة قد وضع العراق على الدوام كأول مصادر التراث الانساني وأهمها، ولا يخفى ان تتابع الممالك والامبراطوريات ونشوء المدن كان يعني على الدوام ان ثمة إنساناً يمثل عقل الانسانية ككل استطاع ان يحقق هذا الانتصار الحضاري. ومن هنا يمكن ان نكتشف كيف ان التتابع الحضاري قد خلق له اعداء في المقابل. فالفتوحات الاكادية والبابلية قد أوجدت اعداء على مر التاريخ وأنصب العداء على الانسان العراقي الذي لم يتوقف عن حركة الابداع. ومن جانب آخر فان عملية سرقة الاثار ونهبها وتدمير التراث ليست حالة جديدة فكل البعثات الاثارية التي نقبت في العراق لعبت هذا الدور وتشهد على ذلك صناديق البعثات الايطالية والالمانية والانكليزية والفرنسية المخزونة في مخازن المتحف وكل منها يحمل ارقاماً متحفية (كود) خاصاً بها، ثم لا يمكن تجاهل الطابع المذهب في تدمير التراث الديني للعراق وسرقة وبخاصة التراث الشيعي الذي قامت به الحركة الوهابية خلال المائتي سنة الاخيرة من سطو على كربلاء المقدسة اكثرمن مرة ونهب محتويات الحضرة الشريفة وفعلوا نفس الشيء في النجف الاشرف وحاولوا نفس الشيء في الكاظمية وسامراء لولا بعد المسافة وشدة المراقبة. ولقد القي هنا في لندن عددٌ من المحاضرات حول تدمير الاثار الاسلامية في مكة والمدينة فضلاً عن محاضراتي التي القيتها على أثر تفجير المرقد العسكري في سامراء المقدسة كما اني أرسلت ملفا من اكثر من خمسين صفحة الى اليونسكو حيث طالبت عدّ المراقد المقدسة محمية دوليا وضمن اتفاقية حماية الاثار، وايضا ارسلت في سنة 2007 ملفا الى الامين العام للامم المتحدة (بان كيمون) حول نفس الموضوع. من جانب آخر سعيت شخصيا لاستعادة كل من مدينة بابل ومدينة الحضر مكانتهما الاثارية في ملفات اليونسكو بعد ان تم استبعادهما من عدّهما إرثا اثريا نتيجة للاعمال والاضافات التي طرأت عليهما وفق قرارات الطاغية حيث أن كل هذه الترميمات لم تتم وفق المعايير الدولية مما افقدهما مكانتهما مع ملاحظة ان مدينة بابل تعد اقدم مدينة في التاريخ البشري واقدم عاصمة ورد اسمها في الكتب المقدسة كما اني تعرضت لتهديدات من الحركة الوهابية بعد كشف جرائمها امام الناس وبخاصة جريمة البقيع التي تكتمت عليها الحركة الوهابية وارادت من العالم ان ينسى هذه الجريمة البشعة.
لاشك ان بحدود (12 الف) موقع اثري يشكل عبأً كبيرا على الدولة ولكنه في نفس الوقت يمثل سجلا لتاريخ الانسانية يجب ايجاد قوانين وضوابط لصيانته، فاسترجاع (2466) قطعة يشكل حيزا صغيرا من حجم التراث المنهوب (170 الف) قطعة اثرية اصبحت في حكم المفقودة كما صرح به زملاؤنا في العراق فهل سيبقى الحال على ماهو عليه من نهب لحضارة وادي الرافدين؟
عصر الدمار:
لم يكن عصر صدام عصرا للدمار السياسي والانكفاء العلمي، بل كان بحق عصر الدمار التاريخي والحضاري للعراق، فصدام بشخصيته الازدواجية وذهنيته الانفصامية حاول التماهي مع الشخصيات التاريخية لإرضاء نرجسيته وبخاصة في فترة الحرب العراقية الايرانية باطلاق شعارات تقول من حمورابي الى صدام أو من نبوخذنصر الى صدام، مستغلا رموزا تاريخية لاضفاء قيمة الى خلفيته الجوفاء، ولهذا نجد ان هذه المرحلة شهدت بداية نهب وتزوير التراث الحضاري لتاريخ العراق، فقد بدأت عملية تخريب منهجية قادها صدام نفسه وافراد عائلته تمثلت بعدد من الوقائع.. أولا: منذ اواسط الثمانينات حدثت عمليات تخريب متعمدة في مدينة بابل الاثرية لتحضيرها لمهرجانات بابل الفنية وقد تم نهب كثير من القطع الاثرية تحت أعين الخبراء فتم الترميم باستعمال الطابوق العراقي (الجمهوري) ووضع صدام اسمه في نجمة ثمانية خلال حملة عرفت وقتها باسم (من نبو خذنصر الى صدام بابل تنهض من جديد) مما ادى الى فقدان هذه المدينة البابلية العريقة أصالتها التاريخية وقيمتها الاثارية فقررت منظمة اليونسكو عدّ بابل مدينة سياحية وليست تاريخية بعد أن فقدت قيمتها الاصلية، ولم يتكلم احد خوفا من النظام. ثانيا: بين عامي 1988- 1989 تم العبث بالموقع الاثري لحصن الاخيضر (محافظة كربلاء) باستخدام مادة (الجص) في عملية لتحضيره كموقع للاحتفالات الوطنية في تجاهل متعمد لقيمةالموقع الاثري واهميته التاريخية، وهي عملية لم يقم بها خبراء الاثار ولم تتبع المعايير الدولية في الصيانة والترميم كوثيقة فينيسيا(Chart of Venice) مما اضر بالقيمة التاريخية والاثارية للموقع واصبح مجرد موقع سياحي. ثالثا: في سنة 1989 طلب مجلس قيادة الثورة من مديرية الاثار العامة أستعار كنز الملكة (شبعاد) التي عثر عليها الباحث الاثاري (Wooly) سنة 1933 في المقابر الملكية القبر رقم (800) والذي يعود الى بداية عصر السلالات في (أور)، لتظهر به بعد ذلك زوجة صدام (ساجدة خير الله) وهي ترتدي هذا الكنز الاثري في حادثة غريبة ومثيرة للتساؤل حيث تم التصرف بشأن تاريخي يخص الانسانية دون وجه حق. رابعا: سنة 1989 تعرف العراقيون لاول مرة على كنز نمرود الذي يحوي (1000) الف قطعة ذهبية من التيجان والورود والحجارة الكريمة والتي تعود الى الالف الثامن قبل الميلاد والذي يعد احد اكبر الاكتشافات واهمها خلال المائة سنة الماضية، هذا الكنز الذي عرض مرة واحدة اختفى بعد ان وضع عدي يده عليه فتم بيعه في سوق الاثار المهربة بعد ان كان قد خزن في البنك المركزي وكان عدي منا لذين اشاعوا فكرة نبش المواقع الاثارية القديمة وبيعها لسد حاجاتهم الخاصة. خامسا: في بداية التسعينات باع أرشد ياسين (صهر صدام) نسخة من التوراة الى اسرائيل كانت قد كتبت على جلد غزال وقد قبض ثمنها مليون دولار كما نشرت صحيفة (يديعوت احرونوت) وقتها متفاخرة بحصولها على النسخة التي عرفت هناك باسم النسخة البابلية. وكان ارشد حلقة الوصل بين تجار الاثار في العراق والخارج وقد سطا أيضا على كثير من المخطوطات الاسلامية لعصور مختلفة. سادسا: قبل سقوط النظام بأشهر أي في بداية سنة (2003) اعلنت منظمة امريكية تعنى بدراسة التراث الشرقي: " ان العراق سيتعرض لحملة دولية تعيد ترتيب الخارطة الحضارية للعراق وفق اسس جديدة لمصلحة دولة شرقية اخرى "، ومر الخبر بدون ملاحظة احد لنجد ان التراث العراقي ينهب فعلا وتحت اعين الامريكيين وأن اكثر من 65% من القطع الاثرية قد بيعت في الاسواق الاسرائيلية.
عصر الاحتلال الامريكي:
لاشك ان المهتمين بالتاريخ من علماء وأكاديميين لن ينسوا أبدا، ولن تمحى من ذاكرتهم رؤية الدبابة الامريكية وهي تقتحم بوابة المتحف العراقي لتعلن بداية عصر نهب التاريخ مرة ثانية في العصر الحديث، وفي كل هذه لا يمكن استبعاد اسرائيل من عمليات النهب والسطو المنظمة عبر خبرائها المختصين بالتاريخ اليهودي في العراق وتاريخ بابل بالذات. فالفكر اليهودي لم ينسَ ما قام به الملك الاكادي (سرجون الثاني) (722 – 705 ق.م) في فتوحاته لمدينة السامرة سنة (721 ق.م)، وايضا لايمكن لهم نسيان الغزو البابلي لليهود على يد الملك البابلي (نبوخذ نصر) (604 – 562 ق.م) وسقوط مملكة يهوذا على يديه وهذا يفسر اختفاء قطع اثرية كبيرة وجداريات تعود للمرحلتين المذكورتين، وكلها تمت على يد خبراء حيث ان عملية نقلها واخراجها من المتحف بعد ان فصلت عن اماكنها قد تمت بيد خبيرة. وهنا تجدر الاشارة الى اعتراف وزير السياحة والاثار العراقي الاستاذ (محمد عباس العريبي) حيث نقل ان رئيس الوزراء المالكي امر بالتحقيق في تهريب (300) مخطوطة يهودية عراقية تاريخية الى اسرائيل وكانت المخطوطات قد نقلت من العراق إلى الولايات المتحدة وهذا ما أكده مدير المركز الوطني العراقي للمخطوطات (عبدالله حامد) كما نقلته اذاعة الـ BBC وكان النائب العمالي الاسرائيلي السابق (مردوخاي بن بورات) وهو من يهود العراق قد قال: " أن المخطوطات قد اشتريناها في حزيران/2003 من لصوص". ووفقا لما اوردته صحيفة (هآرتس): " فان من بين الاعمال الثمينة المكتوبة بالعبرية تعليق لسفر أيوب نشر في (سنة) 1487 وجزء من كتاب الانبياء نشر في البندقية (سنة) 1617 ". وفي متابعتنا الخاصة للتدمير الفكري والتاريخي والنفسي والانساني المتعمد الذي احدثه الاحتلال الامريكي للعراق، فان قضية الاثار ستكون احدى قضايا ملف التدمير حيث طال الدمار كل مرافق التراث العراقي، فضلاً عن سرقة الاثار والنهب المستمر للحضار العراقية الثرية فإن التدمير قد طال أيضا الاداب والفنون حيث اختفت آلاف القطع الفنية من لوحات ومنحوتات وقطع سيراميك ومخطوطات عراقية تعود للثلاثمائة سنة الماضية وتظهر هنا في لندن في اسواق التحف وفي المزادات الخاصة الكثيرة في شارع (بوند ستريت) بعض هذه القطع اصلية ولكن مع الاسف فان اسعارها العالية لاتمكننا من شرائها واعادتها للعراق ونحن نقوم بعمل شخصي بحت. كما وجدنا قطعا اصلية بيعت باسعار النسخ المقلدة خوفا من الافتضاح ولعدم وجود وثائق لها.
حملة منظمة لنهب التراث وتغيير خارطة تاريخ العراق القديم:
تقف مافيا الاثار مبهورة امام هذه الفرصة التاريخية لنهب وتدمير الارث التاريخي والفكري العراقي الذي تطور عبر أكثر من سبعة آلاف عام من عمر الانسانية، فالحضارات العراقية القديمة تمكنت من أسقاط معظم الحضارات الاخرى المعاصرة لها والتي ظهرت في مراحل تاريخية متعددة. في سنة 2005 قال لي احد اساتذة التاريخ في جامعة لندن اثناء محاورة تاريخية جرت بيننا: " إن حضارة وادي الرافدين قد خلقت لها على الدوام اعداء من الذين خسروا وتراجعوا امام عبقريتها ". وسمعت نفس المفهوم من استاذي السابق في جامعة ادنبرة. فعبقرية ابناء الرافدين كانت موضع حسد وكراهية من الاخرين، وإلا فلماذا لم تتعرض حضارات اخرى لمثل هذا النهب الذي تعرض له المتحف العراقي الذي يمثل سجل العراق التاريخي. فخلال الحرب العالمية الثانية لم يتعرض (اللوفر) الفرنسي لمثل هذا النهب مع ان باريس سقطت بيد المحور! ولم يتعرض متحف (برلين) هو الاخر للنهب بعد ان سقطت بسقوط الرايخ الثالث الذي سجل نهاية عصر هتلر. فالتعمد في نهب العراق واضح ولكن هل سنجد من يسمع؟ ام ان الامور ستجري كما تعودنا من تراكم الاهمال واقصاء المعرفة.
باحث واكاديمي عراقي ـ لندن