الكفاءات العراقية. . إبداعات وطموحات في ظل إهمال وبنى ومصادر عتيقة وتعليم تقليدي جامد
|
محمد الموسوي ـ كربلاء المقدسة:
كانت الطاقات والكفاءات العراقية على الدوام ـ ولاتزال ـ تتميز بالابداع والمثابرة والاجادة، حتى في احلك الظروف واقسى الازمات والصعوبات، وربما لو اتيح اجراء دراسة اواحصاء للعقول والكفاءات العراقية، في شتى الاختصاصات، والتي تتواجد في شتى دول العالم، لاسيما الدول الغربية، لتبين حجم الخسارة الوطنية العامة، كماً ونوعاً...، ومدى مايمكن لهذه الكفاءات والعقليات العلمية وبخاصة ان تسهم به في تطور البلاد وتقدمه على اكثر من صعيد، لو وجدت في وطنها الرعاية والتقدير والاهتمام اللازم، مثلما وجدته في بلدان المهجر.
ومع ذلك، فإن مايزخر به العراق حتى اليوم من عقول وكفاءات عالية، ليست بالقليلة، الاّ انها ايضا ـ ومع الاسف ـ لاتزال تواجه اهمالا متعدد الاوجه، فمن عدم وضع هذه الكفاءات في مواضعها اللائقة، مرورا بعدم توفر ماتحتاجه من بنى تحتية (علمية) متعددة الاوجه، تساعدها في الابداع والابتكار..، انتهاءً بعدم وجود التمويل الحقيقي من الدولة والدوائر ذات العلاقة، للاختراعات والابحاث والابتكارات التي يمكن للعلماء والخبراء العراقيين تقديمها، ومن ثم الاستفادة منها في تطوير قطاعات مهمة، كالصحة والزراعة والصناعة وغير ذلك من المجالات.. ولعل البعض يرى ان الحديث عن مخترعين عراقيين، وكفاءات علمية مبدعة قد توازي ـ ان لم تتفوق احيانا على ـ نظرائها في العالم امر غير واقعي، وغير مجدٍ، في هذه المرحلة وفي ظل الظروف التي يشهدها العراق!؟..، وبالقطع فإن رأياً كهذا ليس سليما بتاتا، ولانريد ان نطنب في الحديث هنا عن عدم صوابية هذه النظرة..، ولكن بالتأكيد توجد هناك كفاءات وعقليات خلاقة مبدعة في جميع ميادين العلم والعمل في بلادنا، ولو اتيح لها ولو قدر معين من الاهتمام والرعاية والتمويل، لقدمت جهدا ونتاجات عالية ومتميزة تسهم في بناء البلاد وتقدمها.. ولو تابعنا مانشر مؤخرا في هذا المجال لوجدنا ان هناك العديد من الامثلة الحية على ذلك، من بينها على سبيل المثال لا الحصر، الاكتشاف الذي تقدم بهِ الدكتور سالم المالكي الى المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين، وهو اكتشاف احدث قفزة نوعية في الصناعة الورقية تمثلت بتقليل نسبة المياه العذبة التي تدخل في العجينة السيليلوزية الخاصة بصناعة الورق. وقال الدكتور المالكي: إن عدة شركات عالمية عرضت عليه شراء ابتكاره العلمي بمبالغ كبيرة. وهذا الانجاز سيوفر مانسبتهُ 65% من المياه العذبة الداخلة في الصناعة الورقية الامر الذي سيعيد الامل الى كثير من الشركات العربية التي توقفت عن صناعة الورق بسبب شحة المياه العذبة كما انه سيضاعف من حجم الانتاج وجودته ونوعيتة.. ومن هنا جاء الاهتمام الذي ابدته عدة شركات عربية بالاكتشاف، حيث تقدمت لشراء هذا الانجاز وبمبالغ طائلة ومن هذه الشركات شركة (كامر كلارك) البحرانية و(سولت) المالطية التي عرضت شراءه بملبغ مليونين ونصف المليون دولار، والشركة السعودية للصناعة الورقية. وقد تم اختبار الاكتشاف بشكل عملي في شركة سونكار وشركة سيلز المغربيتين والشركة القومية للحلفا والعجين التونسية وشركة ركتا المصرية حيث أعطت نتائج مطابقة للدراسات التي أعدت مسبقاً ودون أي نسبة خطأ تذكر.
وكان المكتب الإعلامي لوزارة الصناعة العراقية أكد أن الاختراع أعلن عنه، بشكل رسمي، في الاجتماع التحضيري للمؤتمر الوزاري للمنظمة العربية للتنمية الصناعية المنعقد في سوريا، للفترة من 14ـــ17/6/2008. اما مدير عام المنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين محمد بن يوسف، فقد اثنى في ختام إجتماعات اللجنة التحضيرية لأعمال الاجتماع الوزاري للمنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين المنعقد في سوريا على هذا الاكتشاف المهم وعدّه قفزة في الصناعة الورقية.. ويقول الدكتور سالم المالكي أن الاختراع سجل باسمه في المنظمة العربية للتنمية الصناعية، وتم توثيقه من المنظمة والمركز الوطني للمواصفات والمعايير القياسية المغربي. مبيناً أن المنظمة ستحصل على 80% من مبلغ بيع الاختراع كونها الجهة التي مولت أبحاثه العلمية. وأكد أن تطبيق الاختراع في العراق غير ممكن، في الوقت الحاضر، لأن معملي صناعة الورق في البصرة والعمارة مدمران بنسبة كبيرة وغير جاهزين للعمل. يذكر أن الدكتور سالم المالكي، من مواليد الكاظمية ببغداد، وهو ممثل العراق في المجلس التنفيذي للمنظمة العربية للتنمية الصناعية، وعضو الجمعية الدولية لبحوث وصناعة الورق وسكرتير الجمعية العراقية للاختراع والتطوير، ويشغل حاليا منصب المدير العام للشركة العامة لصناعة الإطارات في النجف.
وبالعودة للكفاءات العراقية في الخارج، نأتي بمثال واحد، حيث حصلت الباحثة العراقية لحاظ الغزالي على جائزة (لوريال ـ يونيسكو) الخاصة بعلوم الجينات، للعام 2008، لتكون أول عالمة عربية تحصل على هذه الجائزة العالمية. عدّت مصادر علمية وإعلامية، أن فوز الغزالي يؤكد أن المرأة العربية لم تنل ما تستحقه من المكانة علمياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، حيث يعاني العلم والعلماء في الوطن العربي من تدني الاهتمام بهن، وتقديرهن والاستفادة منهن. وجاء فوز الغزالي التي عُدَّتْ ممثلة لأفريقيا والدول العربية، في الذكرى العاشرة لانطلاقة تلك الجائزة التي صارت لها مكانتها العلمية المرموقة. ولذا، سبق إعلان جوائز "لوريال-يونيسكو" في باريس أخيراً توقيع 40 باحثة فزن بها خلال العقد المنصرم، على وثيقة اسمها (من أجل المرأة والعلم) تعد أولى من نوعها لجهة تشجيع البحث العلمي، وخصوصاً حضور المرأة فيه ونيلها ما تستحقه علمياً وأكاديمياً. وتحث الوثيقة النساء العالِمات أن يتبنين نهج الإبداع والتجديد، وأن يبنين شبكات عالمية للتواصل والترابط بين العالمات والباحثات. وتحدثت الباحِثة الغزالي عن منح جائزة "لوريال-يونيسكو" عام 2008، وتبلغ قيمتها المالية مئة ألف دولار، إلى خمس نساء مثلن القارات كافة. وبينت أن الفائزات اختارتهن لجنة محلفين دولية ترأسها البروفسور غانتر بلوبل الحاصل على جائزة نوبل في الطب عام 1999. وأوضحت أن علم الجينات يختص بتشخيص الأمراض الوراثية والوقاية منها. ويعد من أكثر الاختصاصات الطبية في سرعة التطور، خصوصاً بعد التوصل إلى رسم الخريطة الكاملة لتركيب الجينات عند الإنسان (جينوم) في مطلع القرن 21. وأشارت إلى أنها تعد من الرياديين في علم الجينات وبحوثه في المنطقة العربية. وشددت على أنها عملت على نشر الوعي لأكثر من 17 عاماً بين شعوب الشرق الأوسط، لا سيما بالنسبة إلى قضية كثرة التزاوج بين الأقارب وعلاقتها بظهور الأمراض الوراثية في هذه المنطقة. وكذلك تمكنت من التعرف على كثير من الأمراض الوراثية الجينية، وأسهمت في تحديد مواصفات أمراض وراثية على المستويين الإكلينيكي والجزيئي. وأسست أيضاً نظاماً لتسجيل حالات التشوهات عند حديثي الولادة في الإمارات العربية المتحدة، عُدّ أولاً من نوعه عربياً، فنال تالياً عضوية المركز الدولي للأمراض الجينية في روما. وأسهمت أيضاً في التوعية بأهمية الفحص الجيني قبل الزواج بوصفه جزءاً من الوقاية من الأمراض الوراثية.
ومثال آخر نأتي به من داخل البلاد، حيث حصل فريقان علميان في كلية العلوم بجامعة بابل على المرتبة الاولى لأختيارهما كافضل ابتكار علمي وافضل بحث علمي في المسابقة العلمية التي نظمها مؤخرا منتدى الرعاية العلمية في محافظة بابل التابع الى وزارة الشباب والرياضة. واوضح الدكتور داخل ناصر طه استاذ الكيمياء في كلية العلوم ورئيس الفريقين العلميين الفائزين، انه بعد مناقشة المنتدى للابتكارات العلمية والبحوث المقدمة حصل فريقي العلمي الاول المؤلف من الباحثين الشباب علاء خضير وزينب عباس ويحيى فاهم على افضل ابتكار علمي تناول (تصميم حقل جرياني وتطبيقه في تقدير الزرنيخ الثلاثي والخماسي والكلي) فيما حصل فريقي العلمي الثاني على افضل بحث علمي مؤلف من الباحثين الشباب اسراء سعدي عبد الامير في كلية الهندسة وعبير فوزي من كلية علوم البنات الذي تناول دراسة كيميائية تحليلية لمحطات تصفية الماء في بابل.
ونسوق مثالا آخر، حيث اعلن في بداية الشهر الماضي، عن براءة اختراع كان قد حصل عليها الدكتور فاضل عبد رسن، احد اساتذة قسم الفيزياء في كلية العلوم بجامعة بابل، تسعى وزارة الصناعة والمعادن لاستثمارها من خلال تحويلها الى جهد تطبيقي محلي يلغي التوجيه الاستيرادي لمادة البطانات المستخدمة في افران صهر النحاس الحرارية. ويوضح الدكتور رسن ان براءة الاختراع تتلخص في ايجاد مادة بديلة لمعالجة نوعية البطانات الخاصة المستخدمة بأفران صهر النحاس الحرارية من خلال تصنيف لهذه المادة التي تستخدم في هذه الافران والتي تستورد باسعار عالية من خارج البلد بعد كل فترة او وجبة تشغيل حيث ان المادة الصناعية التي تتكون من المواد الاولية غير المستثمرة، يزخر بها البلد وباسعار زهيدة قياسا بسعر المادة المستوردة مؤكدا ان المادة مطابقة بشكل كامل للمواصفات الصناعية العالمية بشهادة جهاز التقييس والسيطرة النوعية، منوها الى انه سيقدم مواضيع اخرى في هذا المجال بأمل الحصول على براءات اختراع اخرى ومنها محاولة استثمار مواد بديلة في صناعة العوازل والسيراميك واخرى في تحضير مواد بديلة في التطبيقات الصناعية سيما في الصناعة النفطية.
إن العراق بلد معطاء وان عطاءه لا يقف عند حد معين... هكذا قال الدكتور سالم المالكي صحاب الاختراع في مجال الصناعات الورقية. ونقول بالطبع.. ولكن هذا العطاء، وهذه الكفاءات العلمية، بحاجة لالتفاتة جادة ورصينة من الدولة والجهات المعنية، فمعظم الباحثين وطلبة الدراسات العليا في الجامعات العراقية يشكون اليوم من قلة المصادر العلمية وقدمها، وعدم مواكبتها للمنتج العلمي العالمي في مجالات مختلفة..، كما ان العراق لازال متخلفا في البنى التحتية للبحث العلمي،، بينما الباحث يحتاج الى قنوات تواصل مع المنتج العلمي الجديد والمعاصر، وهو امر لاتواكبه بشكل حقيقي ومطلوب، مكتباتنا سواء الجامعية او الاهلية.. كما ان هناك ملاحظات جوهرية تؤخذ على مناهج وطرق وادوات التدريس والبحث، في القطاع التعليمي في البلاد، كونها باتت تقليدية وجامدة..
|
|