قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

ماهي قيمة المعلّم في بلادنا؟
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة * د. عزيز بوستا
يُلاحِظ أيُّ مُتَتَبِّع لقضايا التعليم ببلادنا، تنامي ظاهرة الانْتِقاص من قيمة المعلم والمُدَرِّس والمدرسة، ليس فقط في أوساط عامة الناس، بل حتى لدى كثير من الاوساط التعليمية.
ومن أغرب المفارقات التي تعيشها بلادنا في العقدين الأخيرين؛ هي أنه بقدر ما تَنْحَصِر فُرص الولوج لوظيفة التعليم، بنفس القدر يتزايد الشعور بالضعة تجاهها، بحيث أصبحت تُمثِّل الحدّ الأدنى من المطالب التي يتوق لها طلبتُنا بالنظر إلى طموحاتهم، كما تُمثِّل في نفس الوقت الحدّ الأعلى بالنظر إلى الإمكانيات الشحيحة للواقع. فلماذا تراجعت قيمة المُدرِّس في مجتمعنا؟
أعتقد أن التراجع الملحوظ لقيمة المُدرِّس (سواء كان معلماً أو أستاذاً)، مرتبط بتراجع المستوى المعيشي للطبقة الوسطى ببلادنا، وما رافقه من تراجع الاهتمام بكل ما هو ثقافي وعلمي، وذلك للأسباب الآتية:
1-تكاثر أعداد العاطلين من الطلبة الحاملين للشهادات العليا، مما جعل عموم الناس يتساءلون عن مدى جدوى تعليم أبنائهم إنْ كان مآلهم في النهاية هو البطالة‍. ممّا جعل كثيرين منهم يتعاملون مع المؤسسات التعليمية وبخاصة في المرحلة الابتدائية كمُجَرّد مؤسسات لِمحْو الأمية.
2-بروز فئة من الناس إلى واجهة المجتمع، كدست ثروات طائلة في أزمنة قياسية وبِطرق غير مشروعة، كالاتجار في الممنوعات أو استغلال النفوذ، دون أن تمتلك الحدّ الأدنى من الرصيد الثقافي والعلمي، مِمَّا جعلها قُدْوَة سيئة لفئة عريضة من أجيالنا الصاعدة التي أصبحت تحتقِر – شعوريا أو لاشعوريا- أيّ عمل ثقافي هادِف، كما تزْدري كلّ الوظائف العامة، وفي مقدمتها وظيفة التعليم إلى درجة أصبح معها بعض المُدَرِّسين المُنْساقين وراء هذه الموجة يخْجَلون من إعلان انتمائهم لهذه المهنة الشريفة التي في نظرهم لا تُغني ولا تُسمِن من جوع.
3-تَحوُّلُ مجتمعنا بفعل تأثير اقتصاد السوق وسيادة النموذج الاستهلاكي الغربي عبر الانتشار السريع لأحدث تقنيات التواصل والإعلام إلى مجتمع استهلاكي، يُفضِّل فيه الفردُ شِراء أتْفه منتوج استهلاكي على اقتناء مجلة ثقافية أو كتاب، إنْ توافرت له إمكانية ذلك.
4-تدهوُر أحوال أغلب مؤسساتنا التعليمية في الوسطين الحضري والقروي من حيث التجهيز والصيانة، وقلّة أو انعدام بعض المرافق الحيوية للمدرِّس، كالسكن اللائق والطرق المعبَّدة والمواصلات. ممّا يجعل المُدرِّس غير راضٍ عن وضعه المعيشي والمهني.
وان المراجعة الشاملة التي تخضع لها منظومتنا التعليمية في هذه السنوات الأخيرة، تدعونا أكثر من أيّ وقت مضى إلى الانخراط في حمأة هذه العملية الإصلاحية بِروح وطنية، وبعيداً عن كلّ الحساسيات الضيِّقة من أجل رد الاعتبار لرجل التعليم – بمن فيهم المرأة- وتحفيزه على بذل كل ما في وُسْعه من أجل نهضة هذا القطاع الذي يمثِّل ركيزة أية تنمية حقيقية في بلادنا.
انّ الصعوبات الجمّة التي يعاني منها المُدرِّس والتي أشرتُ إلى بعضِها، لا يَجِبُ أنْ تُشعِره بأيِّ عُقدة نقص تُجاه مهنته، وذلك لأن قيمة الشخص المعنوية لا تُعادِلُ ممتلكاته المادية أو قيمة راتِبِه الشهري عكس ما تُرَوِّج لذلك بعض الأمثال الشعبية الرديئة. فتعاليمنا الدينية السمحاء تحُثُّنا على الإِعْلاء من قيمة العلم والتَّعلُّم والتعليم، كما تعد العمل عبادة، وتدعونا إلى إتقانه وعدم التهاون في أدائه...
وإنّ الفوائد النفسية والعملية التي يجنيها المدرِّس من التَّزوُّد بروح معنويّة عالية والايمان بأهمية مهنته وقيمتها لا تُقدَّرُ بثمن؛ بحيث يدفعه هذا الإحساس إلى أن يَجِد ذاتهُ في العمل التربوي - التعليمي ويجتهد فيه، بل ويسْتَمْتِعَ بِه، ممّا يُمكِّنُه من امتلاك القدْرة على مواجهة العديد من الصعوبات التي تعترضه، أمّا الانطلاق بِروح معنويّة منكسِرة وباحتقار المهنة، فإِنه غالبا ما يُؤدِّي إلى احتقارٍ للذّات ومُزاولة العمل بنوع من الإِكْراه والاشمئزاز وانعدام الرّغبة مما يجعلُ المُدرِّس غير قادر على مُواجهة أبسط الصعوبات التي تعترض طريقه.
وإنّ الدعوة إلى التحلّي بروح معنويّة عالية في ممارسة مهنة التعليم، لا تعني تكريس الأمْر الواقع والقول بأنه ليس في الإمكان أحسن مما هو كائن في مجالنا التعليمي، بل بالعكس من ذلك، علينا أن نقوم بمهامِّنا أحسن قيام، ونحن مرفوعي الرأْس، كما علينا أن نُسهِم ونُطالب بتحسين أوضاعنا المهنية في نفس الآن. فالمطالبة بالحُقوق لا يَجب أن تُنسينا أهمية القيام بالواجبات، وبخاصّة أنّ المُتَضرِّرين الأوائل من إخلالنا بواجباتنا هم أطفال أبرياء لا دخل لهم فيما نُعانيه من مشاكل مادية ومهنية. ولعلَّ هذا الخلط بين هذين المستويين - الواجبات والحقوق- قد أسهم بِقسط لايستهان به في تدنِّي مستوى الأداء التربوي للمدرِّس، حيث سادت لديه مقولة (الشغل بِقدْرِ المقابل النقدي)، مِمَّا برّر لكثيرين سُلوك التهاوُن والغِشّ في العمل.
وإن ما يؤكدُ تَهافتَ هذه المبرِّرات التي تقيس ظاهرة (التهاون والغشّ) في العمل بالمقياس المادّي الصّرْف، هو تفشّي نفس الظاهِرة وبِشكل أكثر استفحالا وخطورة لدى بعض المهنيين الذين يتقاضون رواتب وتعويضات خيالية، مثل كثير من الأطباء المختصين ذوي العيادات والمستشفيات الخاصة مما يدلّ على أن الضمير المهني الحيّ لا يجب أن يُقاس بالمال، كما أن الوازع الأخلاقي والتنشئة الاجتماعية المبنية على زرع روح المُواطنة في ناشِئتنا ونشر الوعي بواجبات الإنسان بالموازاة مع الوعي بحقوق الإنسان ؛ كلها أمور لابدّ من التركيز عليها للنهوض بمستوى كُلِّ مرافقنا العامة وفي مقدّمتها المُؤسسة التعليمية.
*المصدر/شبكة النبأ المعلوماتية