حقوق إجتماعية
صلة الأرحام
|
*ايمان عبد الامير
من السنن الالهية المودعة في فطرة الإنسان هي الارتباط الروحي والعاطفي بأرحامه وأقاربه، وهي سُنّة ثابتة يكاد يتساوى فيها أبناء البشر، فالحب المودع في القلب هو العلقة الروحية المهيمنة على علاقات الإنسان بأقاربه، وهو قد يتفاوت تبعاً للقرب والبعد النسبي إلاّ أنّه لايتخلّف بالكلية.
ولقد راعى الإسلام هذه الرابطة، ودعا إلى تعميقها في الواقع، وتحويلها إلى مَعلم منظور وظاهرة واقعية تترجم فيه الرابطة الروحية إلى حركة سلوكية وعمل ميداني، فالقرآن الكريم قرن بين التقوى وصلة الأرحام، اذ جاء في سورة النساء "... واتّقُوا اللهَ الذي تَساءَلُونَ بهِ والارحامَ إنّ اللهَ كانَ عليكُم رقيباً" فيما جاء ذكر صلة القربى في سياق الأوامر الالهية بالعدل والاحسان في سورة النحل: "إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والإحسانِ وإيتاء ذِى القُربى وينَهى عن الفحشَاءِ والمنكرِ والبَغي يَعظُكُم لعلّكُم تَذكَّرونَ".
وفضلاً عن الصلة الروحية دعا الله تعالى إلى الصلة المادية وجعلها مصداقاً للبرّ، فقال تعالى: في سورة البقرة"... وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ".
بالمقابل جعل الله تعالى قطيعة الرحم سبباً للعنة الالهية فقال في سورة محمد "فَهل عَسَيتُم إن تَولَّيتُم أن تُفسدُوا في الأرضِ وتُقطّعُوا أرحامَكُم * أولئكَ الَّذينَ لَعنَهُم اللهُ فأصمّهم وأعمَى أبصارَهُم".
وقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأهل البيت ـ عليهم السلام ـ إلى صلة الأرحام في جميع الأحوال، وأن تقابل القطيعة بالصلة حفاظاً على الأواصر والعلاقات، وترسيخاً لمبادىء الحب والتعاون والوئام، فقد جاء عنه –صلى الله عليه وآله-: (انّ الرحم معلّقة بالعرش، وليس الواصل بالمكافىء ولكن الواصل من الذي إذا انقطعت رحمه وصلها).
وقال أبو ذر الغفاري - رضي الله عنه-: (أوصاني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن أصل رحمي وإن أدبَرَت). وقال أمير المؤمنين -عليه السلام- (صلوا أرحامكم وإن قطعوكم).
ومما جاء في فضل صلة الأرحام في الحديث الشريف أنها خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة، وأنها أعجل الخير ثواباً، وأنها أحبّ الخطى التي تقرب العبد إلى الله زلفى، وتزيد في ايمانه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- (ألا أدلكم على خير أخلاق أهل الدنيا والآخرة ؟ من عفا عمن ظلمه، ووصل من قطعه، وأعطى من حرمه)، وقال ايضاً: (أعجل الخير ثواباً صلة الرحم، وأسرع الشر عقاباً البغي).
وقال الإمام علي بن الحسين ـ عليه السلام ـ: (ما من خطوة أحبّ إلى الله عزَّ وجلَّ من خطوتين: خطوة يسدّ بها المؤمن صفّاً في سبيل الله، وخطوة إلى ذي رحم قاطع)، وقال الإمام موسى الكاظم -عليه السلام-: (صلة الارحام وحسن الخلق زيادة في الايمان)، ولقد رتّب الإمام علي ابن الحسين ـ عليه السلام ـ حقوق الأرحام تبعاً لدرجات القرب النسبي، فيجب صلة الأقرب فالأقرب، فقال: (وحقوق رحمك كثيرة متصلة بقدر اتصال الرحم في القرابة، فأوجبها عليك حقّ أُمك، ثم حقّ أبيك، ثم حقّ ولدك، ثم حقّ أخيك، ثم الأقرب فالأقرب، والأول فالأول).
وتتجلى مظاهر الصلة بالاحترام والتقدير والزيارات المستمرة وتفقد أوضاعهم الروحية والمادية وتوفير مستلزمات العيش الكريم لهم، وكفّ الأذى عنهم، فقد دعا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام- إلى تفقّد أحوال الأرحام ووصلهم بما يحتاجونه من معونات، فقال: (ألا لا يعدلنَّ أحدكم عن القرابة يرى بها الخصاصة أن يسدّها بالذي لا يزيده إن أمسكه ولا ينقصه إن أهلكه، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنّما تقبض منه عنهم يد واحدة وتقبض منهم عنه أيدٍ كثيرة، ومن تلن حاشيته يستدم من قومه المودة).
وأدنى الصلة هي الصلة بالسلام.. قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: (صلوا أرحامكم ولو بالسلام)، أما أدنى الصلة المادية هي الاسقاء.. قال الإمام جعفر الصادق -عليه السلام-: (صل رحمك ولو بشربة ماء...).
ومن مصاديق صلة الأرحام كفّ الأذى عنهم، فقد قال الإمام جعفر الصادق -عليه السلام-: (عظّموا كباركم وصلوا أرحامكم، وليس تصلونهم بشيء أفضل من كفّ الأذى عنهم).
من جانب آخر حذر الإسلام من قطع الرحم مما يؤدي ذلك الى خلخلة في العلاقات الاجتماعية، فالدين الاسلامي يوصي بالتآزر والتعاون والوئام، لذا حرّم جميع الممارسات التي تؤدي إلى التقاطع والتدابر لأنها تؤدي إلى تفكيك أواصر المجتمع وخلخلة صفوفه، فحرّم قطيعة الرحم وجعلها موجبة لدخول النار والحرمان من الجنّة، فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم-: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: مدمن خمر ومدمن سحر وقاطع رحم)، وقال ايضاً: (اثنان لا ينظر الله إليهما يوم القيامة: قاطع رحم، وجار السوء).
وقطيعة الرحم موجبة للحرمان من البركات الالهية، كنزول الملائكة وقبول الأعمال، فقال رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- في هذا المجال: (إنّ الملائكة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم)، وقال ايضاً: (إنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ عشية خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم).
وقطيعة الرحم من الذنوب التي تعجّل الفناء، قال الإمام الصادق -عليه السلام-: (الذنوب التي تعجل الفناء قطيعة الرحم)، وكان رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- يتخوف على المسلمين من قطيعتهم لأرحامهم، وكان يقول: (إنّي أخاف عليكم استخفافاً بالدين، ومنع الحكم، وقطيعة الرحم، وأن تتّخذوا القرآن مزامير، تقدّمون أحدكم وليس بأفضلكم في الدين).
وتُعد مقابلة القطيعة بالقطيعة ظاهرة سلبية في العلاقات الاجتماعية، وهي موجبة لعدم رضا الله تعالى عن الجميع، ففي رواية أنّ رجلاً أتى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- فقال: يا رسول الله، أهل بيتي أبوا إلاّ توثباً عليَّ وقطيعة لي وشتيمة، أأرفضهم؟ قال - صلى الله عليه وآله وسلم-: إذن يرفضكم الله جميعاً.. قال: كيف أصنع ؟ قال - صلى الله عليه وآله وسلم-: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمَّن ظلمك، فانك إذا فعلت ذلك، كان لك من الله عليهم ظهير.
ولصلة الارحام آثار ايجابية في الحياة الإنسانية بجميع مقوماتها الروحية والخلقية والمادية، فقد قال الإمام محمد الباقر -عليه السلام-: (صلة الارحام تزكي الأعمال وتنمي الأموال وتدفع البلوى وتيسّر الحساب وتنسئ في الأجل). وقال الإمام جعفر الصادق -عليه السلام- (صلة الأرحام تُحسن الخلق وتسمّح الكف وتطيّب النفس وتزيد في الرزق وتنسئ في الأجل).
وفضلاً عن الوصايا والتأكيدات من الاحاديث الشريفة على ان صلة الرحم تزيد في العمر، فقد أثبتت التجارب الاجتماعية ذلك من خلال دراسة الواقع، فقد ورد عن الإمام جعفر الصادق -عليه السلام- أنّه قال: (ما تعلم شيئاً يزيد في العمر إلاّ صلة الرحم، حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولاً للرحم فيزيده الله في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثاً وثلاثين سنة، ويكون أجله ثلاثاً وثلاثين سنة، فيكون قاطعاً للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة ويجعل أجله إلى ثلاث سنين).
والواصل لأرحامه يكون محل احترام وتقدير من قبلهم ومن قبل المجتمع، وهو أقدر من غيره على التعايش مع سائر الناس لقدرته على إقامة العلاقات الحسنة، ويمكنه أن يؤدي دوره الاجتماعي على أحسن وجه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء مسؤوليته في البناء المدني والحضاري بوصفه عنصراً مرغوباً فيه، وبعكسه القاطع لرحمه فإنّه يفقد تأثيره في المجتمع لعدم الوثوق بنواياه وممارساته العملية.
|
|