حضارة الأخلاق الفاضلة
|
الحلقة الأولى
الخُلُق النبيل.. لماذا؟!
*علي ضميري
كل بني البشر يبحث عن السعادة، ويحاولون السير ضمن طريقها، ولكنهم يختلفون في مصاديقها.
أما الدين الإسلامي؛ فقد تجسدت السعادة في تعاليمه ومفاهيمه والآليات التي وضعها لتحقيق هذه التعاليم والمفاهيم وتطبيقها.. وهي الواردة في القرآن المجيد وسيرة النبي الاكرم وأهل بيته المعصومين -سلام الله عليهم- من قول وفعل وتقرير، ويؤكد الاسلام ايضاً أن الإنسان لايبلغ مرحلة الكمال ولايسير ضمن جادة التكامل، فيحقق النجاح والسعادة في الحياة الدنيا والآخرة، ما لم يكن ذا عقيدة صحيحة، ويتمتع بالخلق الفاضل، ويتحلّى بالآداب الطيبة،ومثله في ذلك، مثل الطائر الذي يعجز عن التحليق في جو الفضاء، فيستنشق حريته، اذا افتقد جناحين سالمين.
كذلك الحال بالنسبة لابن آدم.. لن يسعه أن يكون مخلوقاً صالحاً، أو شخصاً متفوقاً على من سواه، وهو يفتقر إلى العقيدة الصالحة والخُلُق الفاضل الرفيع، وليس أرقى من الأخلاق الفاضلة بعد أو مع العقيدة السليمة ما يدفع بالإنسان إلى حيث التقدم والخير.
ولدى الاختلاف في تحديد مصداق الخلق الحسن، فإن الله ـ سبحانه وتعالى ـ قد كفانا عناء البحث عن المصداق، حيث أوصانا باتخاذ النبي الأكرم -صلى الله عليه وآله- قدوة وأسوة، فنفعل ما يفعل، ونقول ما يقول، وهو ذو الصلاحية المطلقة في إنارة الطريق القويم، الذي يدلّنا على سعادة الدارين.
وقد وصف الله رسوله الكريم قبل ذلك بقوله في سورة القلم: "وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، ولاريب أن هذا الوصف الرباني، كان من نصيب نبينا الأعظم، كما لم يكن لأحد من الأنبياء والمرسلين، ثم إنه صلوات الله عليه وآله، حدّد للأجيال اللاحقة مصاديق أخرى للأخلاق الفاضلة وحصر هذه المصاديق بالمعصومين من أهل بيته الطاهرين، وقال عنهم: (مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى).
إذن، فليس من مناصٍ أمام الراغب ومريد النجاة إلا التعلم من أهل البيت ـ عليهم السلام ـ واللحاق بركبهم، لأنهم بإمامتهم صاروا الملجأ الآمن والقول الفصل خلال أدنى أنواع الاختلاف، بل إن ولايتهم وإمامتهم هي الرادع لكل تفاوت واختلاف، لاسيما عند تحديد الأخلاق وتمييز الفاضل منها عن الرذيل.
ونحن نؤمن أن أهل البيت -عليهم السلام- وأولهم نبينا الأكرم ـ صلوات الله عليه وآله ـ، استطاعوا هداية الناس وجذبهم إلى الحق باخلاقهم وسلوكهم الحسن أكثر مما عملت سيوفهم، لأن أساس البعثة النبوية كانت لتتميم مكارم الأخلاق، وعليه؛ فإن الإسلام كله أخلاق وحسن سيرة، ولايسعنا فهم الإسلام مالم ندرك كنه الأخلاق الطيبة، ثم نمارسها ممارسة عملية.
وبالأخلاق الرفيعة أصبح رسول الله -صلى الله عليه وآله- معروفاً لدى الناس والتاريخ بأنه سيد الأخلاق، حتى أقر بذلك معظم الكتاب والمؤرخين ومنظري العقائد والأخلاق بمن فيهم غير المسلمين، مؤكدين على أنه -صلى الله عليه وآله-، الأعظم من بين رجالات التاريخ، وأن كل من يتعرف إلى سيرته، لايملك إلا أن يحبه وينجذب إليه.
ولكن ياترى ما هي الأخلاق الفاضلة؟
إنها كل قول وعمل أوصت بها شريعة السماء عبر النبي والأئمة -صلوات الله عليهم أجمعين- لتكون هذه الأخلاق الطيبة من أوضح العلامات على صلاح الإنسان وإمكانية نيله السعادة في الدنيا والآخرة، أما الأخلاق الرذيلة؛ فهي كل ما لايرضاه الله تعالى من الممارسات والأفكار ذات الصلة بالواقع، وما نهى عنه أهل البيت -عليهم السلام- وكرهوه لنا. فضلاً عن ما لايحبذه عقل الإنسان وضميره المجرد عن الضغوطات النفسية والاجتماعية السيئة.. لاسيما أن الله تعالى هو الذي كيّف العقل والوجدان على استساغة الخُُلق الحق، وكراهة القول والفعل الباطلين.
فلن يعرف المرء معنى النجاح والموفقية في بيته ومدرسته وعمله وبين إخوانه وأصدقائه، مالم يفعّل في ذاته وسلوكه مفردات الخلق النبيل مثل الوفاء والمحبة والصبر والشجاعة والصدق وأداء الأمانة والإحسان ومساعدة الآخرين والقناعة والنظافة والنظام والتعاون وأمثال ذلك، بالمقابل ينبذ المفردات السيئة من الاخلاق غير الحميدة التي لاتعود على الإنسان إلا بالفشل والسقوط وضياع ساعات العمر الثمينة.
وحيث أن شريعة الإسلام هي الوحيدة بين الشرائع في تكاملها وصوابها، فقد أرشدت الإنسان إلى كل ما هو خير، لأن صاحب هذه الشريعة هو الله جلّ اسمه، وهو أعرف بمصلحة الإنسان أكثر مما يعرفه الإنسان نفسه.. فعلّمه الأخلاق النبيلة بعد أن حبّبها إليه، وأشار إليه بمصاديق هذه الأخلاق، لئلا يختار غيرها فيعمى ويضل.
وبذلك، أضحت الممارسات والتعاليم التي لاتستقى من غير هذا المصدر والمصداق الرباني، عبارة عن ممارسات وتعاليم ضالة ومضلة ينبغي التخلص منها والابتعاد عنها، لأنها بالأساس تحول خير الإنسان وسعادته إلى شر وشقاء.
فما أجدر بنا أن يراجع كلّ منّا تفاصيل حياته، ولاسيما ونحن نعيش ضمن هذه الظروف الثقافية والسياسية والاجتماعية، حيث نتعرض خلالها لأشرس الهجمات من أعدائنا وأعداء الإسلام، فنملأها بأنبل الصفات الأخلاقية، لتكون لنا خير ركن نركن إليه، إزاء ضعف أنفسنا، ومقابل عوامل قوة الأعداء من ناحية أخرى، وغير هذا الخيار، يكون الانجراف والغرق ضمن تيارات الضلالة البعيدة عن الإيمان بالله تعالى وولاية أهل البيت -سلام الله عليهم-.
|
|