منزلقات الرأسمالية الليبرالية وازمة المال العالمية.. الغرب يبحث عن البديل الإسلامي
|
عواصم ـ متابعات ـ وكالات:
لاتزال الدول الغربية وعلى رأسها اميركا، تعيش دوامة الازمة المالية العالمية والتي اخذت تأثيراتها السلبية تجتاح اقتصادات العالم واسواقه في اكثر من مكان. ورغم محاولات الادارة الامريكية بالتزامن مع جهود دول اخرى كاليابان ودول الاتحاد الاوربي لايجاد حلول ناجعة تحد من تداعيات الازمة، الا ان ذلك لم يترك حتى الآن اي مؤشر ايجابي يمنح الاطمئنان والثقة بتعافي اقتصاديات العالم واسواقه المالية في المدى المنظور، فيما يرجح المحللون ان لاتأتي هذه الحلول على افضل الافتراضات في حال نجاحها، بنتائج ملموسة قبل مرور عام ونصف الى عامين.
في هذه الاثناء دعت كبرى الصحف الاقتصادية الغربية إلى تطبيق الشريعة الإسلامية كحل اوحد للتخلص من براثن النظام الرأسمالي الذي يقف وراء الكارثة الاقتصادية التي تخيم على العالم وللخروج من هذه الأزمة المالية العالمية التي تهدد بانهيار أسواق المال العالمية، بعد الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي هزت أمريكا وأوروبا. فكتب مؤخرا "بوفيس فانسون" رئيس تحرير مجلة تشالينجز موضوعا بعنوان "البابا أو القرآن" تساءل الكاتب فيه عن أخلاقية الرأسمالية؟ ودور "المسيحية" كديانة والكنيسة الكاثوليكية بالذات في تكريس هذا المنزع والتساهل في تبرير الفائدة، مشيرا إلى أن هذا النسل الاقتصادي السيئ أودى بالبشرية إلى الهاوية. وتساءل الكاتب بأسلوب يقترب من التهكم من موقف الكنيسة قائلا: "أظن أننا بحاجة أكثر في هذه الأزمة إلى قراءة القرآن بدلا من الإنجيل لفهم ما يحدث بنا وبمصارفنا لأنه لو حاول القائمون على مصارفنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها ما حل بنا ما حل من كوارث وأزمات وما وصل بنا الحال إلى هذا الوضع المزري؛ لأن النقود لا تلد النقود".
وفي الإطار ذاته لكن بوضوح وجرأة أكثر طالب رولان لاسكين رئيس تحرير صحيفة "لوجورنال د فينانس" في افتتاحية الاسبوع الماضي بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة. وعرض لاسكين في مقاله الذي جاء بعنوان: "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟"، المخاطر التي تحدق بالرأسمالية وضرورة الإسراع بالبحث عن خيارات بديلة لإنقاذ الوضع، وقدم سلسلة من المقترحات المثيرة في مقدمتها تطبيق مبادئ الشريعة الإسلامية برغم تعارضها مع التقاليد الغربية ومعتقداتها الدينية.
ومنذ سنوات والشهادات تتوالى من عقلاء الغرب ورجالات الاقتصاد تنبه إلى خطورة الأوضاع التي يقود إليها النظام الرأسمالي الليبرالي على صعيد واسع، وضرورة البحث عن خيارات بديلة تصب في مجملها في خانة البديل الإسلام!
كتاب أمريكي يبشر بالدولة الإسلامية الحديثة:
يذكر ان كتابا جديدا كان صدر قبل حوالي خمسة اشهر في الولايات المتحدة الأمريكية بعنوان "سقوط وصعود الدولة الإسلامية" لأستاذ القانون بجامعة هارفارد والباحث في مجلس العلاقات الخارجية الامريكي في نيويورك، البروفيسور "نوا فيلدمان"، يرى فيه أن الصعود الشعبي للشريعة الإسلامية مرة أخرى في العصر الحالي ــ رغم ماوصفه بـ(سقوطها) سابقا، ـ حسب زعمه ـ، يمكن أن يؤدي إلى خلافة إسلامية ناجحة لكن بشروط. على حد قوله. غير أن الكتاب لاقى هجوما شرسا من مفكرين صهيونيين في أمريكا بدعاوى انه يروج للفكر الإسلامي ويعطي غطاء فلسفياً للإرهاب، بزعمهم. ويناقش الكتاب الذي نشرته مطبعة جامعة برينستون "صعود الدعم الشعبي للشريعة الإسلامية في العالم الإسلامي مرة أخرى وتأثير ذلك على الغرب وعلى الشرق"، ويحتج الكاتب بحسب وكالة أنباء " أمريكا إن أرابيك"، بأن "الدولة الإسلامية الحديثة يمكنها تقديم العدالة القضائية والسياسية لمسلمي العصر الحديث ولكن فقط إذا تم إنشاء مؤسسات جديدة تستعيد التوازن الدستوري بين القوى والسلطات". ويتتبع الكتاب الواقع في 189 صفحة من القطع الصغير مايسميها بـ: "البدايات النبيلة للدستور الإسلامي ثم سقوطه ثم الوعد الجديد الذي يمكن ان تقدمه عودة الشريعة للمسلمين وللغربيين على حد سواء". ويحذر الكاتب من أن دعاة الدولة الإسلامية لا يفكرون في بناء المؤسسات القادمة للشريعة ولا للدولة الإسلامية القادمة وان عليهم حل هذه المسألة.
من ناحيتها، أصدرت الهيئة الفرنسية العليا للرقابة المالية - وهي أعلى هيئة رسمية تعنى بمراقبة نشاطات البنوك ــ في وقت سابق قرارا يقضي بمنع تداول الصفقات الوهمية والبيوع الرمزية التي يتميز بها النظام الرأسمالي واشتراط التقابض في أجل محدد بثلاثة أيام لا أكثر من إبرام العقد، وهو برأي بعض المراقبين ما يتطابق مع أحكام الفقه الإسلامي. كما أصدرت نفس الهيئة قرارا يسمح للمؤسسات والمتعاملين في الأسواق المالية بالتعامل مع نظام الصكوك الإسلامي في السوق المنظمة الفرنسية. كما أكد تقرير صادر عن مجلس الشيوخ الفرنسي أن النظام المصرفي الإسلامي مريح للجميع مسلمين وغير مسلمين ويمكن تطبيقه في جميع البلاد فضلاً عن كونه يلبي رغبات كونية. وكانت لجنة المالية ومراقبة الميزانية والحسابات الاقتصادية للدولة بمجلس الشيوخ الفرنسي قد نظمت طاولتين مستديرتين في منتصف مايو 2008 حول النظام المصرفي الإسلامي لتقييم الفرص والوسائل التي تسمح لفرنسا بولوج هذا النظام الذي يعيش ازدهاراً واضحاً وجمعت أعمال الطاولتين في تقرير واحد. وأعطت الطاولة المستديرة الأولى صورة عن أنشطة الصناعة المالية الفرنسية في سوق ما زال متركزاً في المنطقة العربية وجنوب شرق آسي، والأهمية المتزايدة بالنسبة لفرنسا في أن تعتني بهذا المجال المالي المعتمد على الشريعة الإسلامية. كما ركزت الطاولة المستديرة الثانية على العوائق التشريعية والضريبية المحتمل أن تحول دون تطوير هذا النظام في فرنسا ومن ذلك مثلاً فتح مصارف إسلامية بفرنسا أو إقامة نظم تشريعية وضريبية على التراب الفرنسي تراعي قواعد الشريعة الإسلامية في المجال المالي أو إصدار صكوك. ودعا التقرير إلى توسيع دائرة النقاش حول هذا الموضوع ليشمل إلى جانب لجنة مجلس الشيوخ الجالية المسلمة الموجودة في فرنسا والمكونة من خمسة ملايين ونصف مليون شخص. وتعد فرنسا متأخرة جداً في مجال احتضان هذا النظام مقارنة مع الدول الأوروبية حيث كانت بريطانيا الرائدة في القبول به على أراضيها وقد أصدرت نصوصاً تشريعية وضريبية من شأنها أن تشجع النظام الإسلامي المالي وفتح بها أول مصرف إسلامي عام 2004.
وتظهر منافسة النظام المصرفي الإسلامي للنظام المصرفي الغربي في كون معدل النمو السنوي للأنشطة الإسلامية يتراوح ما بين 10 إلى 15%. كما بلغ مجموع الأنشطة المسيرة من قبل المصارف ومؤسسات التأمين الإسلامية 500 مليار دولار نهاية عام 2007، وتبلغ قيمة الأصول المتداولة التي تراعي أحكام الشريعة والمعلن عنها وغير المعلن حدود 700 مليار دولار في الوقت الراهن. ومع أن النظام المصرفي الإسلامي يطبق أساساً في الدول الإسلامية كإيران ودول الخليج وبعض دول شرق آسيا، فإنه بدأ ينتشر في أمريكا وأوروبا بعد ازدياد عائدات النفط وما تولد عنه من سيولة غزت أسواق المال الغربي فصار مهتما أكثر من أي وقت مضى بهذا النظام المالي. ويوجد الآن في الخليج 43 مصرفاً إسلامياً و15 بماليزيا (من بينها ثلاثة مصدرها الخليج) وهنالك تشابك وتفاعل بين المصارف الإسلامية الخليجية والآسيوية وقد امتد نشاط هذه المصارف إلى مصر والسودان والمغرب العربي وجنوب أفريقيا وكينيا وغيرها.
|
|