قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

هذا مصير الجبّارين!!
*طاهر القزويني
لمّا قرأت حديث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –عليه السلام- وهو يوصي مالك الأشتر بقوله (..إياك ومساماة الله في عظمته، والتشبه به في جبروته، فإن الله يذل كل جبار ويهين كل مختال)، تذكرت الطاغية صدام المقبور بعد اخراجه من جحره الذي اختفى فيه عدة أشهر.. فهل خطر على باله ان تكون نهايته يوماً ما في (جحر الفئران) مع القاذورات والحشرات، وبتلك الهيئة التي كان عليها، وبتلك اللحية التي حاربها طوال سنين حكمه هو الآن يلجأ إليها لعلها تنقذه من موته المحتوم، وقد قضى ردحاً طويلاً من الزمن متكبراً طاغياً.
هذا الموت الذي يلقي بأجنحته على رؤوس العالمين ولايفر منه صالح ووضيع، فأين المفر من الموت وهو الوعد الصادق الذي وعد به جميع العالمين، لقد ألقى الموت حباله على رقبة صدام كما ألقاها من قبل على رقاب كل الجبابرة والطواغيت، الذين لبسوا رداء الله فتجبروا وطغوا وفعلوا ما فعلوا ولم يحسبوا لعاقبتهم أي حساب.
ولو كانوا قد فكروا للحظة بما سيؤول إليه أمرهم لما استمروا على سيرتهم وما ارتكبوا تلك الجرائم، ولو كان الطاغية صدام – افتراضاً- قد خطر على باله ذات مرة في حياته إنه في يوم من الأيام سيضطر إلى المبيت في (جحر الفئران) لما وصل حاله إلى ما كان عليه، فتلك العاقبة السيئة لم يكن ليرغب بها او يريدها وإنما هي فرضت عليه قسراً.
وهناك ثلاثة أحاديث عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -عليه السلام-: في الاول يقول: (من تجبرّ كُسر) وفي الثاني: (من تجبّر حقره الله ووضعه) وفي الثالث: (إياك والتجبر على عباد الله فإن كل متجبر يقصمه الله)..
فهذا هو وعد الله للجبارين.. أنه عزوجل قاصم الجبارين في الدنيا قبل الآخرة، وذلك أنهم دخلوا في نزاع مباشر مع الله ووضعوا أنفسهم مواضع لاتليق بمنزلتهم ومقدرتهم، ولابد أن نعرف بأن الجبارين ليس هم الطغاة والحكام المتجبرين فقط، فربما كان الانسان لا يملك في الدنيا لا سلطة ولا مال ولا ثراء ولايملك إلّا أهل بيته ومع ذلك يكتب من الجبارين بسبب سوء خلقه وتصرفه وخروجه عن الحق في تعامله مع زوجته وعياله حيث انه يظلمهم ويحقرهم ويذلهم ويضربهم من دون وجه حق كما يفعل الطغاة بالنسبة إلى شعوبهم.. وقد ذكر ذلك نبينا الاكرم محمد -صلى الله عليه وآله- في قوله: (إن الرجل ليدرك بالحلم درجة الصائم القائم، وانه ليكتب جباراً ولا يملك إلا أهل بيته)، فهذا هو الجبار في بيته وبين أهله وعياله، لا يعرف من الحياة إلّا نفسه ولا يخضع إلا إلى شهوته، وجعل الكل عبيداً لأهوائه، ومن يتخلف عن طاعته فالويل له والضرب والعذاب والألم جزاؤه، لأنه يظن أن جميع أفراد عائلته خلقهم الله سبحانه عبيداً وخداماً يقومون على تحقيق رغباته وأهوائه، وإذا أصبح صدام طاغية –مثلاً- في تكبره واستعلائه، فإن هذا النوع من الجبارين هم معدودون، ولكن الجبارين من النوع الثاني وهم الجبارون بين أهلهم وأطفالهم فهؤلاء لا يحصى عددهم وجزاؤهم سيشبه جزاء الطغاة والمجرمين مع انهم لم يحكموا ولم يتسلطوا.. لكن هذا يقودنا إلى سؤال هام ومصيري هو: لماذا يصل الانسان إلى هذا المستوى من الطغيان والتجبر سواء إن كان في الأسرة الصغيرة أو في الاسرة الكبيرة وهي الأمة؟
ان الجبار هو حصيلة مئات بل آلاف العقد الموجودة في المجتمع.. فالجبابرة بلا شك هم ليسوا ابناء نطفة سليمة، وهذا واضح من تعطشهم للدماء وقتلهم الأبرياء وانتهاكهم الأعراض، لأن الشريف من أبناء الكرماء لا يفعل ذلك حتى وإن لم يكن صاحب دين وعقيدة. أما الجبار فهو مبتلى بمرض الجهل، فهو يحسب أن وصوله إلى المناصب العليا هو نتيجة علم يملكه، ولا يحسب ذلك انه تقدير. حتى يصل إلى درجة الفساد فينازعه سلطته على البشر.
ويعد الجهل أهم مرتبة يمكن أن يصل إليها إنسان حتى ينازع الله في قدرته، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لو أراد فإنه يستطيع بلمح البصر أن ينزع عنه سلطته وينزله من عرشه ويحوله إلى موجود تافه، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ يمهل الانسان ولكن لا يهمله، يؤجله إلى حيث جزاؤه الذي يلقاه في الدنيا قبل الآخرة، فالجبار لابد أن يلقى الذل والمهانة قبل إزهاق روحه وتجرع العذاب الآخر.
وهناك صورة يعرضها الحديث الشريف لحالة اولئك الجبابرة في أول يوم من أيام الجزاء بمعنى قبل أن يدخلوا نار جهنم، ذكر ذلك نبينا الأعظم -صلوات الله عليه وعلى آله- وهو يقول: (يحشر الجبارون والمتكبرون يوم القيامة في صورة الذر وهو أصغر مخلوقاته يطأهم الناس لهوانهم على الناس).
فضلاً عن عما ذكرنا، يجدر بنا السؤال عمن هو الجبار؟ انه ذلك الذي يتكبر عن الايمان بالله، ومع معرفته بحقائق الفطرة والكون بأن الله عزوجل هو الخالق والبارئ، لكنه مع ذلك يستنكف عن الايمان بالله وعن القول بكلمة (لا إله الا الله)، وهي كلمة التوحيد التي طالب الرسول الاكرم قومه الاجهار بها حتى يفلحوا، فهو لم يطلب منهم أكثر من الإعتراف بهذه الكلمة حتى يرتفعوا إلى مصاف الأمم السابقة والمتقدمة، وهكذا ارتفع نداء العرب بهذه الكلمة العظيمة وارتقوا بها إلى عنان السماء وتقدموا بها على جميع شعوب الارض.
إن الذي لا يقول لا إله إلا الله هو في مرتبة عالية من الجحود والنكران وهو من الذين يستحق أن يطلق عليهم بالجبارين الذين يعاندون الله ولا يرضخون لكلماته، مع أن كلماته تحمل معاني الخير والنور لهم، فهذا الجبار لن يستطيع بكفره أو جحوده أن يثلم ثلمة من أرض الله ولن ينقصه شيئاً من خلقه، لكن الخسران هو الذي سيكون مصيره وأول هذا الخسران أن يرحل عن الدنيا بذلة ومهانة، ويستمر معه ذلك حتى بعد انتقاله إلى عالم الآخرة حيث أن جميع الناس يطؤونه بأرجلهم وكلما استغاث بهم وطلب معونتهم لم يسمعه أحد، لأنه لم يسمع نداء الحق في الدنيا، ولم يصغ إلى كلمة الحق التي جاء بها الرسول الأعظم وأهل بيته -عليهم أفضل الصلاة والسلام- فلابد أن ندعو الله ـ عزوجل ـ دوماً وأبداً ان لا يحشرنا مع هؤلاء المجرمين، ولا نكون من العتاة الظالمين فنكون من نفس تلك الزمرة التي أبعدها الله سبحانه عن رحمته، ففي الحديث الشريف عن الامام الصادق -عليه السلام- قال: (الجبارون أبعد الناس من الله ـ عزوجل يوم ـ القيامة)، ومعنى ذلك أنهم يعجزون عن إيصال ندائهم واستغاثتهم إلى رب العزة، فيمكثون في العذاب الشديد مدة طويلة من الزمان من دون أن يتمكنوا من طلب الوسيلة والشفاعة.
وفي خطبة له يُذكّر الإمام علي -عليه السلام- الأمة الاسلامية بمصير هؤلاء من أجل الاعتبار، فيقول: "أين العمالقة وأبناء العمالقة؟ أين الفراعنة وأبناء الفراعنة؟ أين أصحاب مدائن الرس الذين قتلوا النبيين، واطفأوا سنن المرسلين وأحيوا سنن الجبارين؟!).