قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

نافذة على مفردات القرآن
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة (الإستعاذة)
*يونس الموسوي
الاستعاذة بالله من أبعاد الدعاء والابتهال اليه سبحانه وتعالى، حيث أن جوهرها الاحتماء بالله. والعوذ هو الملجأ، وفي الحرب حين يحتمي بعض المحاربين من شدة البأس، يقال: (تعاوذ القوم).
ولأن الشيطان يوسوس في صدر المؤمن، ويحثه –بقوة- نحو المعاصي، مما يسمى في اللغة بـ (النزغ) فان المؤمن لايجد ملجأ يأوي إليه، سوى كهف الربوبية. ومن يقدر على إنارة عقل الإنسان وشحذ عزمه وفضح الشيطان غير رب العزة والجبروت؟
من هنا أمر الله تعالى بالاستعاذة به عند نزغ الشيطان وحثه الانسان ودفعه نحو الباطل. فقد قال الله تعالى: "وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ* إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ".
ونستوحي من كلمة (تذكروا) في الآية المباركة، إن جوهر الإستعاذة بالله هو تذكر أسمائه ونعمائه وثوابه وعقابه، وقدرته على منع الشيطان، ومن ثم التوكل عليه في مواجهة الشيطان.
الاستعاذة من همزات الشياطين
وقد يقوم الشيطان باغواء البشر وغمزه، بالقاء أفكار حادة لاضلاله؛ هناك لايجد المؤمن سوى الالتجاء إلى الله عزّوجلّ والاستعاذة به. وحتى قبل هذه الهمزات، ينبغي أن يتوقاها المؤمن، ويحتمي عنها بذكر الله والتوكل عليه، وجاء في سورة (المؤمنون) "وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ"، فالمؤمن لايمهل الشيطان حتى يهمزه، بل يسد عليه منافذ قلبه، وذلك بذكر الله تعالى، حيث يستعيذ بالله من حضوره عنده، فبمجرد أن يحس بخطا الشيطان في فؤاده، يدفعه بالتذكر.
وهكذا أمرنا الله ـ سبحانه ـ بالاستعاذة به من شر الوسواس الخناس، الذي قد يتجسد في صورة أناس ينفثون الأفكار الباطلة، ويشيعون الافكار الدخيلة بين الناس، وجاء التحذير صريحاً في سورة الناس التي نقرأها في كثير من الاوقات
وحين يستعيذ المؤمن بالله، يتذكر أسماءه وأنه رب الفلق وأنه الخالق، ومن ثم يستعيذ من شرّ كل مخلوق، ومن شرّ الذين لايزالون ينفثون السموم في المجتمع، فيفرقون بين الناس، ويضعفون عزائمهم، ويخوفونهم ويثيرون العصبيات، ويروجون للأباطيل، وكذلك من شرّ كل متسلل بالليل، وحاسد بالنهار، وهذا ما نجده في سورة الفلق المباركة والمدرجة الى جانب سورة الناس في نهاية الكتاب المجيد.
مواطن الإستعاذة
1- عند تلاوة القرآن
فقد قال الله تعالى في سورة النحل: "فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ".
والاستعاذة بالله تعني بأن يحس الإنسان بأنه في محضر الرب، وأن الرب يرعاه؛ وأن يتوكل عليه وأن يناجيه بقلبه بأن ينصره على الشيطان، وأن لايدع الشيطان يحرف نظراته ويبعث في روعه الوسوسة والأفكار الغريبة حينما يفكر أو عندما يقرأ القرآن، وبكلمة؛ إذا استعاذ المؤمن بالله تعالى، تخلص من عوامل الخطأ وأسباب الضلال.
2- الاستعاذة عند الفتنة
فحينما أحاطت بالنبي يوسف -عليه السلام- فتنة زليخا زوجة العزيز، هنالك استعاذ بالله العظيم، فجاء في سورة يوسف: "وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ"، وفي حادثة اخرى عندما خشي النبي يوسف -عليه السلام- فتنة الملك وأراد الحكم بالعدل، استعاذ بالله. فجاء قوله تعالى: "قَالَ مَعَاذَ اللّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلاَّ مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ إِنَّآ إِذًا لَّظَالِمُونَ".
والواقع إن استعاذة المؤمن هي ليس من أصل الفتنة، بل مما قد تؤديه الفتنة من تضليل. وقد جاء عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب -عليه السلام- أنه قال: (لايقولن أحدكم اللهم إني أعوذبك من الفتنة، لأنه ليس أحد إلا وهو مشتمل على فتنة، ولكن من استعاذ فليستعذ من مضلات الفتن).
3- عند مواجهة الكفار
إنما يستعيذ الإنسان بالله عند لقاء الكفار، أو حتى عند ذكرهم، لكي لايتأثر بهم وبأفكارهم التي هي في الحقيقة وساوس الشيطان، تنفثها أفواههم. فجاء في سورة غافر: "إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".
وقد تكون الاستعاذة بالله من الكفار بهدف التخلص من شرورهم المادية، كما التحصن من أفكارهم الفاسدة. وفي ذلك قال الله تعالى في نفس السورة: "وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَّا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ".
وفي أشد الظروف، استعاذ الانبياء –عليهم السلام- بالله تعالى عندما كانوا يواجهون الطغاة، وهكذا فعل النبي موسى -عليه السلام- كما تقول الآية الكريمة في سورة الدخان " وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ، كما ان النبي نوحاً -عليه السلام- حين سأل الله ـ عزّوجل ـ انقاذ ابنه من الغرق، قال له الله سبحانه: "إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ"، وهنالك استعاذ نوح بالله من القول بغير علم كما ذكرت ذلك سورة هود "قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ".
4- إعاذة الآخرين بالله
وكما نستعيذ بالله سبحانه، فعلينا أن نعيذ الذين نحبهم من شرّ الشيطان بالدعاء لهم بأن يمنع عنهم الله تعالى وساوس الشيطان، وهكذا أعاذت إمرأة عمران مريم بالله من الشيطان، كما أعاذت ذريتها به، وقد تقبل الله دعاءها و"أنبتها نباتاً حسناً"، فقال الله تعالى في سورة آل عمران: "إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ* فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ* فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ".
وقد يستوجب استعاذة الآخرين من الشيطان، حمايتهم من آثاره وأفكاره، والمحيط الملوث بغروره، فقد جاء عن عبد الله بن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يعوذ الحسن والحسين -عليهما السلام- ويقول: أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامّة. ويقول: هكذا كان أبي ابراهيم يعوذ ابنيه اسماعيل واسحاق.
ويخطأ من يتصور أنه يمكنه الاستعاذة بغير الله، سواء كانوا من الانس أو الجن؛ ومن يستعذ بهم، بالتأكيد سوف لايزداد إلا نصباً وتعباً، فقد قال الله تعالى في سورة الجنّ: "وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا".