بيوتنا من تراب
|
*سامي عبد الصاحب
القبر أول منزل من منازل الآخرة، ما من إنسان إلا وداخله حتف أنفه، فيغادر الدنيا التي كان فيها مخيراً ثم يدخل عالم البرزخ مكبلاً بأعماله، فإن كانت خيراً فخير وإن كان شراً فشر، ولن يكون للانسان غير عمله الذي واظب عليه في عالم الدنيا.
فأول ما يفقده الإنسان في القبر ميزة الاختيار، فهو عاجز عن القيام بما يشاء، بعد أن كان في الدنيا حر الإرادة واسع المقدرة، لذا فأول عبرة من عالم القبر هي أن يعتبر الإنسان من عجزه في ذلك العالم ويستفيد قدر ما يستطيع من مجال الحرية التي هو فيها في عالم الدنيا من أجل تحسين وضعه في عالم الآخرة.
فلا يتكل الإنسان إلاّ على عمله، فلا يتفاءل برحمة الله إلى حد الإفراط بالعمل، ولا ييأس من روح الله إلى حد الافراط، فالله سبحانه وتعالى عادل وهو إلى جانب كونه رحيماً بالعباد هو أيضاً شديد العقاب، وأولى مظاهر عدله نجدها في القبور حيث لايعرف منها الغني من الفقير ولا الرئيس من المرؤوس ولا الكبير من الصغير، وأول ما يُسأل الانسان في قبره عن صلاته وزكاته وعبادته وولايته، وليس عن نسبه وحسبه ومنصبه، وفي ذلك قال الإمام الصادق عليه السلام: (يُسأل الميت في قبره عن خمس: عن صلاته وزكاته وحجه وصيامه وولايتنا إيّانا أهل البيت، فتقول الولاية عن جانب القبر للأربع: ما دخل فيكنّ من نقص فعليّ تمامه).
ويصف الإمام السجاد -سلام الله عليه- حالة الإنسان في ذلك الوضع ويقول: (.. كأن قد أوفيت أجلك، وقبض الملك روحك وصرت إلى منزل وحيداً فردّا إليك فيه روحك، واقتحم عليك فيه ملكان: منكر ونكير لمساءلتك، وشديد امتحانك، ألا وإن ما يسألانك عن ربك الذي كنت (تعبده) وعن نبيك الذي أُرسل إليك، وعن دينك الذي تدين به، وعن كتابك الذي كنت تتلوه، وعن إمامك الذي كنت تتولاه، ثم عن عمرك فيما أفنيته، ومالك من أين اكتسبته وفيما أتلفته، فخذ حذرك وانظر نفسك وأعدّ الجواب قبل الإمتحان والمساءلة والإختبار)، فليسأل كل واحد منا هذه الأسئلة، هل ستكون إجابته موافقة لما جاء به النبي -صلى الله عليه وآله- والقرآن الكريم؟
في كل شيء من تلك الإعتقادات هناك أثر في عمل الإنسان، فإذا كان موحداً فسيظهر ذلك في حبه الله وعبادته له، ولو كان متبعاً لسنة الرسول الأكرم(ص) لظهر ذلك في عمله وحسن أخلاقه، وإذا كان معتقداً بالقرآن كان له اثر في قلبه ونفسه وعمله، ولو كان متبعاً للأئمة الأطهار -عليهم أفضل الصلاة والسلام- لكان واضحاً ذلك من خلال سيرة حياته، فليس من المعقول أن يوالي المرء طاغية من طغاة العصر وهو يسمي نفسه شيعياً أو موالياً لأهل بيت النبوة.
إذن.. فالعاقل هو الذي يعد من الآن الجواب لما سيسأل عنه في القبر، فربما أُسقط في مرحلة من هذه المراحل ولايدري ماالجواب كما حدث بالنسبة إلى علي بن أبي حمزة فبعد موته قال فيه الإمام الرضا -عليه السلام- " إنه أُقعد في قبره فسُئل عن الأئمة -عليهم السلام- فأخبر بأسمائهم حتى إنتهى إليّ فسئل فوقف، فضرب على رأسه ضربة إمتلأ قبره ناراً"، وبذلك فانه بعد سؤال منكر ونكير للميت سيكون القبر إما بقعة من بقع النيران أو روضة من رياض الجنة.
وكل الأعمال الصالحة هي نافعة للإنسان في آخرته، إلا إن الروايات تشير بالخصوص إلى بعض الأعمال التي هي محل للسؤال وأن أداءها كفيل بإسعاده في قبره وقد جاء في حديث الإمام الصادق -عليه السلام- إنه (إذا دخل المؤمن قبره كانت الصلاة عن يمينه والزكاة عن يساره، والبرّ مطلّ عليه ويتنحى الصبر، فإذا دخل عليه الملكان اللذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبرّ: دونكم صاحبكم فإن عجزتم عنه فأنا دونه)..
وأعمال البر تفرج عن الإنسان كربات الآخرة، ولاسيما قضاء حوائج الناس، فقد جاء في الحديث الشريف عن الإمام الصادق -عليه السلام- قوله (من نفّس عمن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كرب الآخرة، وخرج من قبره وهو ثلج الفؤاد)، فطوبى لمن كان قلبه بهذا الشكل تجاوز عقبة القبر بأحسن ما يكون، فالتفكر فيما يؤول إليه أمر الميت من الغمرات والعشرات والمساءلة والعذاب يسهل على الإنسان المؤمن إقتحام الصعاب من أجل فعل الصالحات، فهو في مقدمة الناس المبادرين إلى فعل الخيرات بفضل ما يملكه من معرفة عن عالم الآخرة وعقابها الشديد.
ويكفي الإنسان العاقل ما يراه من حالات المحتضر وصورة الرعب والوحشة التي يلمسها في وجهه وجسده وهذه كافية للإعتبار وإتخاذ طريق الهداية مسلكاً حتى وإن كان هذا الدرب صعب السلوك، فقد جاء في الحديث الشريف (يا عباد الله.. ما بعد الموت لمن لايغفر له أشد من الموت، القبر فاحذروا ضيقه وضنكه وظلمته وغربته.. وإن المعيشة الضنكى التي حذّر الله منها عدوه عذاب القبر).. هذا هو كلام الإمام علي -عليه السلام- وهو يحذرنا من الموت وما بعده، فالقبر ضيق يجب أن نعدّ له شيئاً يوسعه، وهناك الضنك والظلمة والغربة ويجب أن نبحث عن الأشياء التي تخفف علينا من تلك المصائب التي سنلاقيها في ذلك العالم.
إذن.. يجب أن نصحح نظرتنا للحياة وما فيها وفق ما سنشاهده ونواجهه في عالم القبر، فأن المحصلة النهائية من كل هذه المشاهدات والإستغراق في التفكير في صور وحالات الموت وأوضاع القبر، تدفعنا إلى الإعتقاد بأن سعي الإنسان للدنيا هو سعي تافه عديم الجدوى والمنفعة، وأن السعي الحقيقي هو السعي للآخرة ولاغير..
|
|