قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

بكم تبيع ساعة من عمرك؟!
*خالد عبد الامير
لو قيل لك أن ثرياً يشتري ساعةً من عمرك، هي الساعة التي قضيتها في الصلاة والعبادة.. بأي ثمن ستبيعها؟
هل ستبيعها بكيلو من الذهب أو مائة كيلو منه أوطن؟
للحقيقة نقول: بأي ثمن تبيعها ستكون الخسران، لأن مال الدنيا زائل، وثمن ذلك العمل في واقعه هو أكثر من المعروض، لأن قيمة تلك الأعمال هي من جنس آخر وتثمن بأثمان مختلفة!
الساعة من عمر الإنسان لها قيمة، كما الدقيقة بل الثانية واللحظة، وأن قيمتها لاتُقاس ولاتقارن بأطنان الذهب والفضة، فإذا عرفنا القيمة الحقيقية للوقت، سنعرف أيضاً كيف نصرف هذا الوقت؟ وكيف نقضي عمرنا؟ لأن الذي لايعرف قيمة ذلك لافرق لديه إن ضيع من عمره دقيقة أو ساعة أو يوماً أو أكثر من ذلك أو أقل بل ربما عمره كله، لكنه سيدرك في يوم من الأيام قيمة تلك الساعة التي صلى فيها صلاة الليل أو قضاها في عبادة الله، ولكن ما الفائدة؟ لأنه سيدرك ذلك متاخراً حين لايستطيع العودة إلى عالم الدنيا من أجل شراء الوقت، لأنه برحيله عن عالم الدنيا سيكون العمر كله خارج ارادته.
وإحدى الأمور التي يضيع فيها عمر الإنسان هي (اللهو)، بأن يقضي الإنسان وقته في التفاهات وفي الأمور التي لامنفعة فيها فهو منشغل بأماكن اللهو واللعب من دون أن ينتبه لنفسه أو لحاله وهو يفقد عمره وساعات شبابه من غير أن يستغلها في منفعة دنيوية أو أخروية.
وربما يجري التطرق لموضوع اللهو من الناحية الأخلاقية، لكنها هي فضلاً عن ذلك من أهم الأمور الحضارية التي تخلق الهدفية عند الإنسان حتى يكون إنساناً جاداً وطامحاً في بناء ذاته وأمته وأن يشغل كل فرصة لتحقيق ذلك، فهو إذا وجد لديه وقتاً إضافياً لايصرفه في الأعمال الباطلة، بل يستغله في بناء ذاته المعرفية أو الإيمانية أو الأخلاقية، أو ما يخدم وطنه وأمته.
فإذا كان الشخص ينعم بالقدرة على القراءة والكتابة يجدر به بدلاً من أن يصرف وقته الاضافي في مجالس البطالين أن يقلب الكتب المفيدة ويستخرج ما يرغب بمطالعته وأخذ المعلومات العامة والمفيدة منه، لأنه لايوجد من البشر من ليس بحاجة إلى المطالعة وإلى الكتاب، فمداومة المطالعة المتأنية تساعد على ملء الثغرات ونقاط الضعف في الفكر والذهن في شتى مجالات الحياة، فأرقى ما يصل إليه الانسان هو معرفته الشاملة بشؤون الحياة كافة.
وبما ان الشخصية الإيمانية هي الشخصية النموذجية التي يعرضها القرآن الكريم والسنة الشريفة، نجد أن واحدة من مواصفات هذه الشخصية هي أنه لايلهو وإذا فعل ذلك فإنه يكون في غفلة فإذا عاد إلى رشده وفكر في أمره حزن على ما أضاع من وقته في الأمور التافهة وفي هذا الأمر قال الإمام الحسن -عليه السلام- (المؤمن لايلهو حتى يغفل فإذا تفكر حزن).
لكن لماذا النهي عن اللهو؟ وما هي أضراره؟
إذا تنبه الإنسان إلى الغاية من وجوده على الكرة الأرضية، وانه لم يخلق عبثاً عرف بأنه لم يخلق من أجل اللهو واللعب، وإن كانت هذه هي حقيقة الدنيا كما يتصرف بها الإنسان الذي حوّلها من مضمار للآخرة، إلى مضمار للعب واللهو وقضاء الوقت في الأمور التافهة، هذه الحقيقة لايغفلها القرآن الكريم :"اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ" فأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يخلق الحياة البشرية لتكون مكاناً للعب واللهو، ولكنّ الإنسان هو الذي حولّها إلى هذا الشيء الذي يذكره القرآن. ومن أهم مضار اللهو أنه نسي الإنسان أشياء كثيرة مثل الغاية من خلقه، وينسيه ذكر الله والقرآن الكريم وفي ذلك قال الإمام علي -عليه السلام-: (مجالسة أهل اللهو تُنسي القرآن وتحضر الشيطان). كما ان من مضار اللهو إنه يفسد عزم الإنسان وجديته في اتخاذ القرار السليم، لأن اللهو يُفضي إلى التراخي وعدم الهدفية في الحياة، والإنسان بحاجة إلى عزيمة قوية حتى يقدم على الأمور الكبيرة، والعزيمة لاتحصل عند الإنسان الذي همه اللهو وقضاء وقته في اللعب والتسلية فقد قال الإمام علي ـ عليه السلام ـ (اللهو يفسد عزائم الجد).
ولابد هنا من التفريق بين اللهو المذموم وبين المزاح الممدوح، فمزاح المؤمن المراد منه ادخال البهجة في قلوب المؤمنين، يختلف عن اللهو المذموم الذي تنتهك فيه حرمات الناس في الغيبة والبهتان، والمزاح ينبغي أن لايخرج عن الأطر الشرعية بمعنى أن تصان فيه حقوق الناس وذممهم وكذلك مبادئ الحق وقيمه ، لأن بعض الطرائف التي يذكرها الناس قد تطال حقائق الدين تهزأ بالقيم الاخلاقية، ومنها ما يصل إلى درجة الكفر لأنها تهزأ بأسماء الله ـ عزوجل ـ وبصفاته الحميدة، وما عدا ذلك فأن هناك طرائف تشتمل على معاني الحكمة.
وفضلاً عن ذلك فهناك لهو محلل، وقد أوضح النبي وآل بيته -عليهم أفضل الصلاة والسلام- لهو المؤمن ففي حديث عن الإمام الباقر -عليه السلام- يبين أن لهو المؤمن في ثلاثة أشياء: (التمتع بالنساء، ومفاكهة الأخوان والصلاة بالليل)، فاللهو الذي أباحه الله ـ عزوجل ـ للمؤمن هو التمتع بالنساء وملاعبتهن، وكذلك مجالسته لأصحابه المؤمنين وحديثه معهم في شؤون مختلفة من شؤون المسلمين، فهم يتحدثون في قضايا الأمة والتحديات التي تواجهها فضلاً عن قضايا الدين والقضايا الخاصة التي تهمهم.
ويذكر الإمام ـ عليه السلام ـ الصلاة انها (لهو المؤمن) وهذا الوصف لاينطبق إلا على قليل من الناس الذين وجدوا راحتهم في الصلاة وأعظم أنسهم هو كونهم واقفين أمام رب العزة يتحدثون إليه ويخاطبونه بأعظم خطاب.
ومن اللهو الذي أباحه الله ـ عزوجل ـ هو تدريب الخيول والرمي بالقوس وتعلم السباحة والرياضات الأخرى التي تقوي الفكر والبدن، وأما لهو المرأة فهو الغزل والمغزل والخياطة.
وقال أميرالمؤمنين علي بن أبيطالب -عليه السلام- أن النبي - صلى الله عليه وآله- رأى رجلاً يرسل طيراً فقال شيطان يتبع شيطاناً. فانشغال الإنسان طول وقته بالطيور واهتمامه بها إلى درجة اهمال مسؤولية بيته وعياله هي واحدة من الأمور المهمة التي جعلت من هذه اللعبة منبوذة في الدين وبين الناس، فضلاً عن أنواع المخالفات الأخرى التي تحدث نتيجة هذه اللعبة ومن بينها الاشراف على بيوت الجيران، وتضييع أوقات الصلاة والانشغال باللعب.
وبشكل عام يجب أن يعرف الإنسان المسلم قيمة الوقت وأنه محاسب على تضييعه في الأمور التافهة.