قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

ثياب الزهاد أم ثياب الأثرياء؟
*طاهر القزويني
ما هوالثوب المناسب الذي يجب أن ترتديه؟
أ هو الثوب القصير أم الطويل؟ أ هي الثياب التي كان الأئمة -عليهم السلام- يرتدونها؟ أم هي الثياب التي يرتديها الزهاد والعباد؟ أ هي الثياب الخشنة؟ أم هي الثياب الناعمة؟ أ هي الثياب الشرقية أم الغربية؟ أ هي الثياب الفاخرة أم الثياب المتواضعة؟
على خلاف ما يظنه الناس بأن الثياب يجب أن تكون متواضعة ومشابهة لثياب الزهاد والنساك، فأن الأئمة - سلام الله عليهم- يرسمون لنا صورة واضحة لهذه القضية، ويضعون أمامنا قاعدة تفيدنا على مر الزمان والأيام، وهذه القاعدة هي: خير الثياب ثياب ذلك الزمان.
فلكل زمن وكل عصر ثيابه المناسبة له، فلا يُعقل أن يعود المرء إلى الوراء وينتخب زياً من التاريخ ليتخذه لباساً يرتديه في كل حين، فمثل ما هو واضح أن الناس بحاجة إلى أن يبدلوا ثيابهم في ظروف خاصة.
فالرجل الذي يعمل في المصنع هو بحاجة إلى نوع من الثياب المختلفة التي تساعده على المرونة في الحركة، والمقاومة لأنواع مختلفة من الصدمات وشحوم السيارات ودهونها وغيرها من الأوساخ التي لاتقاومها الثياب العادية، ورجل الأطفاء بحاجة إلى بدلة مختلفة عن بدلة الموظف العامل لدى الحكومة، فملابس رجل الأطفاء يجب أن تشتمل على مواصفات ليست ضرورية بالنسبة إلى ملابس الرجل الموظف، فملابس الاطفائي يجب أن تكون مقاومة للنيران والرياح حتى يستطيع هذا الرجل أن يؤدي واجبه بأفضل وجه ممكن، وأن يكون جل تفكيره في إنقاذ الناس الذين يحاصرهم الحريق، أما لو كان ثوب الأطفائي من الثياب العادية التي تشتعل في أول مصادفة للهب، عندها سينشغل الاطفائي بانقاذ نفسه قبل أن يفكر بانقاذ الآخرين.
ومثلما لايجوز للإطفائي أن يحضر إلى العمل بلباس رقيق يحتوي على مواد سريعة الاشتعال، فمن غير المعقول أيضاً أن يزاول الموظف عمله في الدائرة الحكومية وهو يرتدي لباس رجل الاطفاء أو صدرية الطبيب أو ملابس الطيار، بل يرتدي اللباس الذي يليق بموقعيته ومقامه.
وبعد تطور الحضارة والحياة المدنية أصبحت لكل مهنة ثياب لايُستغنى عنها لأداء ذلك العمل، فقد عرف الطبيب ببدلته البيضاء الناصعة النظيفة، وعرف الجندي ببدلته العسكرية المعروفة المقاومة للظروف والأوضاع الصعبة التي يلاقيها الجندي أثناء أداء مهمته القتالية، وعرف أيضاً العلماء بزيهم المعروف والذي يدل على شخصيتهم المتزنة والمتينة.
وأما الثياب التي يرتديها الناس في أحوالهم العامة فهي أيضاً خضعت للتطوير والتصنيفات الملازمة لحياتهم فهناك ثياب للنوم، وثياب لاستقبال الضيوف داخل المنزل، وثياب للعمل خارجه، وثياب للخروج إلى التسوق، وثياب أخرى للمناسبات العامة وهكذا..
والشريعة الإسلامية أباحت ارتداء كل أنواع الثياب ما عدا نوعاً واحداً وهو المصنوع من الحرير للرجال، بل واجازت ارتداء أفخر الثياب وإظهار النعمة على من خصه الله ـ سبحانه ـ بالثراء والمال الوفير، وهناك روايات كثيرة تمنع من ارتداء الثياب القصيرة، أو الثياب الخشنة، بدواعي الزهد وفي الرواية أنه مرّ سفيان الثوري في المسجد الحرام فرأى الامام الصادق -عليه السلام- وعليه ثياب كثيرة القيمة حِسان فقال: والله لآتينه ولأوبخنّه فدنا منه، فقال: يا ابن رسول الله ما لبس رسول الله -صلى الله عليه وآله- مثل هذا اللباس ولا عليٌّ -عليه السلام- ولا أحدٌ من آبائك فقال له الامام -عليه السلام-: كان رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ في زمان قتر مقتر، وكان يأخذ لقتره واقتداره وأن الدنيا أرخت عز اليها، فأحق أهلها بها ابرارها، ثم تلا "قل من حرّم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الزرق"، ونحن أحق من أخذ منها ما أعطاه الله غير اني يا ثوري ما ترى عليَّ من ثوب إنما ألبسه للناس ثم اجتذب يد سفيان فجرها إليه ثم رفع الثوب الأعلى وأخرج ثوباً تحت ذلك على جلده غليظاً فقال: هذا ألبسه لنفسي وما رأيته للناس، ثم جذب ثوباً على سفيان أعلاه غليظ خشن وداخل ذلك ثوب ليّن فقال: لبست هذا الأعلى للناس ولبست هذا لنفسك تسرها).
فحقيقة الزهد تفرض على الإمام الصادق -عليه السلام- كما رأينا في الرواية، انه يتفنن في إخفاء حقيقة زهده من خلال ارتداء الخشن تحت الناعم الذي ارتداه للناس، بخلاف سفيان الثوري الذي أظهر للناس اللباس الخشن وأخفى تحته الناعم. فالثوب هنا يجب أن لايحدد معالم شخصية الإنسان، يعني أن لايجري تقييم الناس على أساس ما يرتدونه من الثياب، فليس كل من ارتدى الخشن، كان من الزهاد، وليس كل من لبس الناعم كان من غيرهم، وليس كل من ارتدى ثوباً متواضعاً كان كذلك، وليس كل من ارتدى أغلى الثياب كان رفيعاً وذا درجة عالية بين الناس!
ثم ان احتقار الآخرين لنوع الثياب التي يرتدونها هو دليل على الجهل وعدم المعرفه بحقيقة الحياة، فمثلما الثروة لاتعني أن صاحبها حكيم فأن الفقر لايدل على أن صاحبه جاهل، وأن الذي يرتدي الثياب البسيطة لايعني أنه منحط المنزلة، فموسى وهارون –عليهما السلام- كانا يرتديان الثياب التي يرتديها عامة الأمة التي ينتميان اليها، وذهبا بأمر الله تعالى الى فرعون يدعوانه الى وحدانية الله، ولم تحط هذه الثياب من منزلتهم، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ قادر أن يبعث أنبياءه بأفضل الثياب وأزهاها، ولكن القيمة الحقيقية للأشياء لاتكمن في هذه الأمور الهامشية، وقيمة الشخص تكمن في خصاله النفسية والفكرية، فربما كان زعيماً مقتدراً مثل فرعون وصدام وغيرهما كثير، إلا ان نفسيتهما كانت مريضة ومتأزمة، ولذلك فان نماذج كهذه يعالجون الأمور بطريقة مختلفة، ومن هنا كان استهزاء فرعون بموسى وهارون، ولو كان عاقلاً وصاحب فهم ما سخر منهما لارتدائهما تلك الثياب المتواضعة، لأنهما استطاعا وبتلك الثياب البسيطة أن يقلعاه من عرشه ويحطما عنفوانه ويجعلوه مثالاً للتاريخ والاجيال.
فالاسلام لم يمنع من ارتداء الثياب الجميلة، لكن منع من إستخدامها وسيلة لاعلان التفوق على الآخرين، لأن الذي يعرف الغاية من ارتداء الثياب يعرف جيداً أن اللباس الحقيقي هو لباس التقوى لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ شرع اللباس الشرعي وجعله نقاءً ليحجب سوءات الإنسان وعوراته وقد جاء في سورة الاعراف "يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ".
فالثياب ربما تواري وتحجب عورة الإنسان، ولكنها ستكون عديمة الفائدة إذا لم تصاحبها التقوى، لأن السيئات والأفعال القبيحة ستفضح الإنسان حتى وإن كان قد ارتدى أفخر الثياب، فتجد سمعة الرجل تلوكها الألسن، على الرغم من مظاهر القوة التي تحيط به، لأن التقوى هي التي تحفظ كرامة الإنسان وتغطي على مساوئه وليس الثياب.