قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

مبادئ السماء تحملها القدوة العملية على الأرض
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *مرتضى الموسوي
اكتشف الإنسان وبعد تجربة طويلة أنه بحاجة إلى قدوة يقتفي أثرها ويهتدي بهداها ويستضيء بنورها ويسير في ركبها فهو من دون قدوة صالحة يجهل طريقه في الحياة.
وقد أمرنا القرآن الكريم بالاقتداء بالقدوة الصالحة كما جاء في سورة الاحزاب: "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"، لذا لابد للإنسان ان يتأثر بسلوك الآخرين، وأن يقلّدهم ويتأثر بافكارهم وآرائهم، في خصائص الإنسان أنه يميل ميلاً طبيعياً إلى شخصية معينة يقلدها في فكره وسلوكه ويتخذها رمزاً في حياته وتصرفاته بحيث لايمكن أن يتخلى عنه بسهولة.
وقد سارالقرآن الكريم في هذا الاتجاه حيث أمر المؤمنين بوجوب اتخاذ قدوة حسنة تكون بالنسبة اليهم معلماً عملياً يقتدون به ويقتفون آثاره ويسيرون بركبه ويهتدون بهديه ويتبعون خطاه, في نفس الوقت حذرنا الإسلام من اتخاذ القدوة السيئة حتى لو كانت القدوة هي الأب أو الأهل أو العشيرة، حيث قال تعالى في سورة الزخرف: "وَقَالُوا لَوْ شَاء الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُم مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ* أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ* بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ".
وتكتسب القدوة أهميتها في التربية من حيث أن القدوة في التربية هي أفضل الوسائل جميعاً وأقربها إلى النجاح، فمن السهل تأليف كتاب في التربية ومن الممكن وضع منهج وان كان في حاجة إلى إحاطة وبراعة وشمول ولكن هذا المنهج يظل حبراً على ورق. مالم يتحول إلى حقيقة عملية مالم يتحول إلى بشر يترجم بتصرفاته ومشاعره كل المبادئ والقيم السامية، حينئذ يتحول المنهج إلى حقيقة، ويتحول إلى حركة بل ويتحول إلى تاريخ.
ولقد علم الله سبحانه وهو يضع ذلك المنهج القويم أنه لابد من ذلك البشر.. لابد من قلب انسان يحمل المنهج ويحوله إلى حقيقة وواقع لكي يعرف الناس أنه حق، ثم يتبعوه، فلابد من قدوة، وقد قال الله تعالى "لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ"، فقد وضع الله تعالى الرسول وأهل بيته قدوة للبشرية كافة، وخصهم بالعصمة وجعل عملهم وأقوالهم ومواقفهم التي صدرت عنهم بمنزلة السنّة الواجبة الاتباع على الناس، وعدّهم الطريق إليه تعالى، فمن أراد الله يجب أن يبدأ بهم ويتحرك نحوه وفق هداهم ولم يجعل طريقاً آخر سواهم، وطلب الله تعالى إتّباعهم واقتفاء أثرهم واتخاذهم قدوة واسوة في حياة الإنسان.
وبذلك جاءت النصوص عنهم(ع) صريحة، فليس اتباع طريقهم والاهتداء بهم هو دعوى يدعيها الإنسان فقط وانما هو العمل تبعاً لهداهم والاستنان بسنتهم.
فقد روى جابر عن الامام ابي جعفر الباقر(ع) قال: قال لي: (يا جابر أيكتفي من انتحل التشيع ان يقول بحبنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا الا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر، إلاّ بالتواضع، والتخشع والأمانة، وكثرة ذكرالله والصوم والصلاة والبر بالوالدين، والتعهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والايتام، وصدق الحديث، وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس إلاّ من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.. فاتقوا الله واعملوا لما عندالله، ليس بين الله وبين احد قرابة، أحبّ العباد إلى الله وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر والله ما يتقرب إلى الله تعالى الاّ بالطاعة.. ولا على الله لاحد حجة، من كان مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً فهو لنا عدو، ما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع).
ان معرفة سيرة الرسول(ص) وأهل بيته(ع) أمر ضروري لمن يريد أن يستن بسنتهم ويتخلّق بأخلاقهم.
وفيما يلى نذكر ما تيسر لنا من آداب الرسول(ص) وأهل بيته واخلاقهم وسيرتهم حتى تكون معالم عمليّة نتمكن من خلالها تزكية أنفسنا وتهذيبها:
الرسول الاكرم (ص) والقرآن الكريم
كان رسول الله(ص) يربي أصحابه بالقرآن كما روى عبدالرحمن السلمي قال: حدثنا من كان يقرئنا من الصحابة أنهم كانوا يأخذون من رسول الله(ص) عشر آيات، فلا يأخذون في العشر الأخر حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل.
وعن الباقر(ع) قال: قال رسول الله(ص): (يا معشر قراء القرآن إتّقو الله عزوجل فيما حملكم من كتابه، فاني مسؤول عن تبليغ الرسالة، وأما انتم فتسألون عما حمّلتم من كتاب الله وسنتي)، وروي أن رسول الله(ص) قال لابن مسعود: إقرأ عليّ قال: فافتتحت سورة النساء فلما بلغت، "كيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً" رأيت عينيه تذرفان بالدمع فقال لي حسبك الآن، وروي عن الامام علي(ع) انه قال: (ينبغي للمؤمن ان لا يموت حتى يتعلم القرآن أو يكون في تعلمه).
سيرة الرسول.. وطريق النور
هكذا يصف الامام علي(ع) ويتحدث عن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ، حيث يقول:
(قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً، أهضم أهل الدنيا كشحاً، وأخمصهم من الدنيا بطناً، عرضت عليه عرضاً، فأبى أن يقبلها، وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه، وصغّر شيئاً فصغّره.. ولقد كان رسول الله(ص) يأكل على الأرض ويجلس جلسة العبيد، ويخصف بيده نعله.. فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، وأحب أن يغيّب زينتها عن عينه لكيلا يتخذ منها ريشاً، ولا يعتقدها قراراً، ولا يرجو فيها مقاماً، فأخرجها من النفس، وأشخصها عن القلب، وغيبها عن البصر، وكذلك من أبغض شيئاً أبغض أن ينظر اليه وأن يذكر عنده).
وقال(ع) ايضاً: (وكان أسخى الناس، لايثبت عنده دينار ولادرهم، وأن فضل شيء ولم يجد من يعطيه، وفجأ الليل، لم يأو إلى منزله حتى يتبرأ منه إلى من يحتاج إليه، ولا يأخذ مما أتاه الله ألا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من الطعام والشعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله، لايسأل شيئاً إلا أعطاه ثم يعود إلى قوت عامه فيؤثر منه حتى انه ربما احتاج قبل انقضاء العام أن لم يأته شيء، وينفّذ الحق وأن عاد عليه بالضرر أو على أصحابه، ويمشي وحده بين أعدائه بلا حارس، لا يهوي له شيء من الدنيا، ويجالس الفقراء، ويؤاكل المساكين ويكرم أهل الفضل في اخلاقهم ويتألف أهل الشرف بالبر لهم، يقبل معذرة المعتذر إليه)
واضاف الإمام علي (ع) في سياق وصفه الرسول الاكرم(ص): (كان النبي(ص) يرقع ثوبه، ويخصف نعله، ويحلب شاته، ويأكل مع العبد ويجلس على الارض، ويركب الحمار ويردف، ولايمنعه الحياء أن يحمل حاجته من السوق إلى أهله، ويصافح الغني والفقير، ولا ينزع يده من يد أحد حتى ينزعها هو، ويسلّم على من استقبله من غني وفقير وكبير وصغير، ولايحقر ما دعي اليه ولو على حشف تمره.
وكان(ص) خفيف المؤنة، كريم الطبيعة، جميل المعاشرة، طلق الوجه، بساماً من غيرضحك محزوناً من غير عبوس، متواضعاً من غير مذلة، جواداً من غير سرف، رقيق القلب).
وجاء في كتاب مكارم الأخلاق: كان رسول الله(ص) إذا فقد الرجل من أخوانه ثلاثه أيام سأل عنه فان كان غائباً دعا له، وان كان شاهداً زاره، وان كان مريضاً عاده.
أما في وصف أميرالمؤمنين علي بن ابي طالب(ع) فقد جاء من الروايات المثيرة حيث يأتي فضل الامام (ع) على لسان عدوه اللدود معاوية.. فحصل ان دخل ضرار بن ضمرة على معاوية في الشام فقال له: صفّ لي علياً قال: اعفني، قال لتصفنّه، قال: أما لابد فانه والله كان بعيد المدى، شديد القوى، يقول فصلاً، ويحكم عدلاً، ويتفجر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواصيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها ويأنس بالليل ووحشته، وكان غزير الدمعة، طويل الفكرة، يعجبه من اللباس ما خشن،ومن الطعام ما جشب، وكان فينا كأحدنا، يجيبنا اذا سألناه، ويأتينا اذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه ايانا وقربه منّا لانكاد نكلمه هيبة له، يعظم أهل الدين، ويقرّب المساكين، لايطمع القوى في باطله، ولاييأس الضعيف في عدله، فاشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وغارت نجومه قابضاً على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين وهو يقول: يا دنيا غري غيري، ابي تعرضت، ام اليّ تشوقت، هيهات هيهات قد طلقتك ثلاثاً لارجعة فيها فعمرك قصير، وخطرك كبير، وعيشك حقير، آه من قلّة الزاد، ووحشة الطريق، وبعد السفر، فيروى ان معاوية بكى وقال رحم الله اباالحسن كان والله كذلك! ثم التفت الى ضرار وسأله: فكيف حزنك عليه يا ضرار؟ قال: حزن من ذبح ولدها بحجرها فهي لاترقاً عبرتها ولايسكن حزنها.. ثم خرج محزوناً مهموماً.
وعن صفات الإمام السجاد(ع) انه جاءه رجل فقال له: ان فلاناً قد وقع فيك وآذاك، قال: فانطلق بنا اليه، فانطلق معه وهو يرى انه سينتصر لنفسه، فلما اتاه قال له: يا هذا ان كان ما قلته فيّ حقاً فالله تعالى يغفره لي، وان كان ما قلته فيّ باطلاً فالله يغفره لك، وروى انه لما مات الامام علي بن الحسين (ع) وجدوه يقوت مائة بيت من أهل المدينة، كان يحمل اليهم ما يحتاجونه اليه.
فهذه عبقات طاهرة من سيرة واخلاق الرسول الكريم محمد(ص) واهل بيته التي كانوا يتعاملون بها ونمط سلوكهم الذي كانوا يسلكونه فالقدوه الصالحة هي أداة مهمة وأساس في تزكية النفس وتهذيبها والرسول وآل بيته هم الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة وقد اوجب الله تعالى اتخاذهم قدوة لمن أراد أن يعبد الله ـ عزوجل ـ حق عبادته ولمن أراد أن يسير في طريق تزكية النفس والوصول إلى المراتب الساميّة، والمقامات العالية فهم سبل النجاة ومصدر التوحيد، ومنار الهداية.