يثيرها السلطان دائماً..
حرية الرأي والتعبير والوحدة الاجتماعية.. الالتقاء والافتراق
|
*منير عبد الخالق
تثار إشكالية من قبل البعض حاصلها أن حرية الرأي تنتهي إلى تصدع الوحدة الاجتماعية، وإلى ضياع العقيدة الحقة! لذا ينبغي تجاهل نداءات حرية الرأي والتعبير.. ثم ان بعض (العلماء) ربط بين دعوات حرية الرأي والعلمانية تارة وبأعداء الأمة تارة اخرى..
فهل حقاً تؤثر حرية الفكر على الوحدة العقيدية سلباً أم هل قد تؤثر إيجاباً؟ وهل تؤدي حرية الرأي إلى تصدع الوحدة الاجتماعية أو أنها تزيد من متانة الوحدة؟
يمكن القول بداية أن هذه الفكرة، وهي أن التحرر الفكري مناقض للوحدة الاجتماعية، وتخريب للعقيدة القائمة في المجتمع، ليست جديدة بل هي قديمة قدم الاستبداد، فالمستبدون كانوا يعارضون المصلحين ويحاربونهم بدعوى أن هؤلاء سوف يفسدون الوحدة الاجتماعية، ويدمرون الوحدة العقيدية لأبناء المجتمع، فقد قال فرعون لقومه بعد أن تداولوا الأمر كيف يواجهون رسالة النبي موسى –عليه السلام- بأن يخبروا الناس بأن هذين الرجلين ـ موسى وأخاه هارون ـ سوف يسببان الخلل في منظومتكم الاجتماعية، وسيؤدي ذلك إلى التشريد والخروج من الوطن، بل وسينهيان عقائدكم، وطريقة حياتكم وهي أفضل الطرق.. "قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى".
وفي تاريخنا الاسلامي وجدنا أن الحاكمين الذين كانوا يواجهون المعارضة لحكمهم وتفردهم، يصفون هذه المعارضة بأنها (شق لعصا الطاعة وفرقة للجماعة)، فانظر إلى كلام معاوية ابن أبي سفيان لعبد الله بن عمر عندما استوضح عن تعيين معاوية لابنه يزيد خليفة من بعد معاوية: (إنني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملتهم، وأن تسفك دماءهم)، ثم انظر إلى صيغة الكتاب الذي استكتبه زياد بن أبيه من رجال الاستبداد حول حجر بن عدي الكندي وأصحابه الذين مدحوا على لسان رسول الله. وانظر ايضاً إلى كلام ابنه عبيد الله في حق مسلم بن عقيل فإنه قال له بعدما أُسر: إيه يا ابن عقيل أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على بعض!
لقد رأى بعض الباحثين أنه تم النزوع في حل المشكلة بين الوحدة والحرية إلى التضييق على حرية الفكر حتى تسلم وحدة الدين! والحقيقة أنه تمت التضحية بحرية الفكر في تاريخ المسلمين، في مختلف العصور لكي تبقى الوحدة العقيدية، وتصان الوحدة الاجتماعية، فماذا حصلت الأمة؟
من الواضح أن الوحدة بتجلياتها كافة غير حاصلة في مجتمعات المسلمين، وإنما الفرقة والتشتت، سواء على المستوى العقيدي أو الاجتماعي أو السياسي. ولا يحتاج الأمر إلى مزيد برهان بعدما كان ملحوظا بالعيان والوجدان.
والمتأمل في العلة الأصلية الجامعة لمظاهر هذه الفرقة جميعا على اختلافها لا يعدو أن يجدها جلية في انحلال الوحدة الفكرية بين المسلمين، وانحلال هذه الوحدة يعود إلى سبب أصلي هو الانحسار الواسع لحرية الرأي في العالم الاسلامي وشيوع الاستبداد فيه، وذلك أن لحرية الرأي أثرا إيجابيا في الوحدة المذهبية والسياسية فإن من شأن حرية الرأي أن تحدث مناخا حواريا تتقابل فيه الآراء وتتصارع فيه الحجج، ويصل من خلاله المتحاورون إلى سبيل الحق، أو على الأقل أن يعرف كل طرف ما يمكن أن تواجه فكرته من إشكالات وملاحظات فيعمد إلى تصحيحها أو تنتهي إلى التقريب بينه وبين أصحاب النظريات الأخرى، ونهايةً وفي أقل الأحوال أن يعرف كل طرف ما يميزه عن غيره، بينما الوحدة الاجتماعية القائمة على أساس قمع الفكر، ومنع الرأي لا يمكن أن تكون ثابتة، ستكون حاضنة للاحتقانات والتراكمات التي ما أن تجد لها متنفسا حتى تنطلق في صورة ثورة مدمرة ..
وبعيدا عن الخلاف في ان أي الاستبدادين ناشئ عن الآخر، وأيهما سبب له، هناك اتفاق على خطورة كل منهما، وتفاعل كل منهما مع الآخر بحيث يخدمه ويدعّمه في علاقة جدلية متبادلة.
لقد عقد (السلطان المستبد) و(الفقيه المرتزق) حلف شراكة ودفاع في كثير من الاوقات وفي ظروف مختلفة، وقدم كل منهما للآخر ما يملك من أوراق لكي يستفيد منها من تدعيم موقعه وموقفه..
1/ فقد أضفى المستبد الديني على السياسي الصبغة الدينية وأعانه بسلاح (فوق بشري) فإذا كان المستبد السياسي يعرف نفسه أنه لا يحظى برغبة الناس ولم يأت باختيارهم وإنما جاء بالقهر رغما عنهم، فإنه أدرك أن هذا القهر يحتاج إلى شرعية دينية، وفكرة تنتهي إلى أن هذا السلطان هو ظل الله!
2/ اعداد النظريات التي تخدم الحاكم وترويجها سواءٌ على مستوى العقائد أو الفروع الفقهية، فإن التبشير بحرية الاختيار ومسؤولية الانسان عن عمله –مثلا- لايخدم السلطان، بينما يخدمه القول بالجبر وبأن أعمال الانسان -في حسناته وسيئاته- مخلوقة من الله وبالتالي ينبغي أن لا يحاسب الحاكم على شيء مما يقوم به لأنه بالحقيقة هو فعل الله ومخلوق له. وقد شجع الاستبداد الأموي القول بالجبر، ودعموا أصحابه وتمثلوا في مواقفهم المختلفة، فهاهم يتحدثون بناء على ذلك في أن الله هو الذي قتل علياً الاكبر! كما جاء في حديث عبيد الله ابن زياد الى الامام السجاد في الكوفة.
وقد رأينا في زماننا كيف أن بعض هؤلاء الفقهاء كانوا إذا رأوا الحاكم يريد أن يحارب العدو جهزوا له من فتاوى الجهاد ما شاء حيث انه قدر الأمة وسنام الاسلام! اما إذا أراد المصالحة صار في ذلك الوقت (الصلح خير)! وإذا أراد شعار الوحدة أعدوا له ما أراد من أفكارها، فإذا دقت طبول الطائفية رأيت الغثاء الغثاء! وإن أراد الاستقلال أعدوا له ما أراد وإن أراد (....).
3/ في مقابل هذا يقدم الاستبداد السياسي للفقهاء والعلماء من هذا النوع ما ينقصهم من السلطة الزمنية، والرئاسة الدنيوية، فبعد أن كان هذا الفقيه أو العالم منسياً في ركن من الأركان، ها هو يتصدر الآن ويفتي ويقضي ويعينّ ويقصي، ويُتقرب إليه ويُقصد! وهكذا..
وبعض هؤلاء الذين حرموا خمرة العنب سكروا بما هو أعظم من خمرة السلطة والسيادة، بل إن بعضهم إنما طلب العلم برجاء الفوز بمثل هذا الموقع! كالذي قيل عنه إنه كتوم السر جدا! فقيل وكيف عرفت ؟ قال: لأنه كتم حب الدنيا أربعين سنة في قلبه وهو معتزل للناس حتى إذا أمكنته الفرصة وثب عليها!
ولعل هذا هو سر التحذير من علماء السوء واللعن الشديد في الروايات عليهم، والمنع من مجرد رؤية العلماء على أبواب الأمراء! حيث سيكونون بذلك بئس العلماء وبئس الأمراء! وإلا فإن مجرد كونهم على الأبواب إذا كانوا يسعون في حاجة الناس أو الاصلاح لا مانع منه!
4/ وفضلاً عن السلطة الزمنية التي يمنحها الاستبداد السياسي لهذه الفئة من العلماء، فإنه يمنحه فرصة نشر أفكاره ومدرسته الفقهية أو العقيدية، بغض النظر عن أن تلك المدرسة والأفكار صالحة أو غير صالحة وفي مستوى غيرها أو دونه..
من هنا يتضح سبب ابعاد الأمويين والعباسيين فكر وثقافة أهل البيت -عليهم السلام- وايضاً سبب ابعاد العباسيين فكر وفقه أبي حنيفة عندما عارضهم في تأييده بعض الثورات العلوية. وأبعدوا ربيعة الرأي عندما لم يتفق معهم، بينما قربوا غيره ممن كان يساندهم، وفي زمان المأمون أُبعد أهل الحديث وقرب المعتزلة بينما انعكست الآية في زمان المتوكل حيث قرب أهل الحديث وأطلق أيديهم في كل مجال وطارد مخالفيهم.
من هنا رأينا المدارس الكلامية والفقهية تتأثر ارتفاعا وانخفاضا بحسب تأييد الحاكمين لها، وتأييد الحاكمين لها لم يكن في الغالب مجردا وإنما بحسب قربها وبعدها منهم، واستفادتهم منها.
|
|