قضية الحسين (ع).. إرادة الله في خلقه
|
*طاهر القزويني
كان لابد من حسين..! كان لابد من رجل يحمل راية الدين.. كان لابد من ظهور المصلح الذي يعيد الأمور إلى نصابها كان لابد من رجل يعيد الروح والحياة لمبادئ الدين وقيمه.. كان لابد من ظهور حكيم يعيد الأمة إلى رشدها.. بل كان لابد من ظهور قائد يعطي الشرعية لكل ثورات المظلومين عبر التاريخ.. ثم كان لابد من ظهور الثائر الذي يروي شجرة الإسلام بدمه و..استحقاقات عديدة وكثيرة.
كانت مهمة الحسين ـ عليه السلام ـ مهمة صعبة لايقوى عليها أي رجل، فلو تخيلنا في أذهاننا أي رجل آخر للقيام بهذه المهمة الصعبة لكانت مواقفه مختلفة تماماً عما قام به الامام الحسين -عليه السلام- والحال أن هذه القضية وهذه الثورة الحسينية لم تكن تتحمل أي نوع من الخطأ والضعف، فكل تفاصيلها جاءت حسب المشيئة الإلهية، حتى تكون ثورة الله الكبرى عبر التاريخ وعبر الزمان والمكان.
إن الذي يقرأ تفاصيل الثورة الحسينية يجد أنها محبوكة بصورة عجائبية، لا دخل للإنسان بها، لذلك خرجت بهذا المستوى من العظمة والجلال، وربما وجدت في الأسطورة التي يجهد كاتبها ذهنه ومشاعره لتخرج بمنتهى الروعة، غير أنك لو دققت النظر فيها لوجدت ضعفاً في كثيرٍ من جوانبها.
ومع أن ثورة الحسين -عليه السلام- ثورة إنسانية على صعيد التطبيق، غير أنها كانت متكاملة الدور والتأثير، وإذا قيل بأن الفضل يعود إلى حكمة القائد الذي أختار الزمان والمكان والأفراد ليصنع كل هذا الكم من البطولات، فأننا نقول بأن القائد لامشيئة له على حركة الموت، بينما نرى في الثورة الحسينية أن معظم قصصها البطولية نسجت مع الموت والشهادة، والله هو صاحب المشيئة على حركة الموت، لذا فان كل حركة وكل سكنة وكل حبكة هي من صنع الله، فأن يقتل العباس ـ عليه السلام ـ بهذه الطريقة هي من مقتضيات تكامل القصة الإلهية، وكذلك أن يقتل عبدالله الرضيع بسهم حرملة فيما أبوه يطلب الماء له، توافق كل هذه الأحداث في زمن واحد ليس هو من صنع البشر، إنما هو صنع حكيم قدير يريد لقصته السماوية أن تتكامل لتكون مثلاً للبشرية جمعاء من أول الخلق حتى آخره.
صحيح أن الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ إختار أبطاله بعناية، غير أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي يعلم بما ستكون عليه مواقف هؤلاء الأبطال عندما تحين لحظة الموت والشهادة، وبالتالي هو يعلم تماماً بأن هؤلاء سيستقيمون إلى آخر لحظة من حياتهم في سبيل دينهم، فهذه الاستقامة ضرورية من أجل تكاملية القصة الإلهية، فلو افترضنا أن أحدهم قد ضعف في آخر لحظة من حياته أمام رهبة الموت والسيف فماذا ستكون نتيجة هذه القصة التي أرادها الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن تكون مثلاً في البطولة والفداء؟
ربما يقلل البعض من شأن هذا الأمر، ولكي نضعه في حجمه الطبيعي سنقيسه بموقف المسلمين الأوائل الذي لاشك في فضلهم وعظم منزلتهم وجلالة قدرهم حيث قام الإسلام على أكتافهم، ففي معركة الخندق حيث حفر الرسول الأعظم - صلى الله عليه وآله وسلم- وأنصاره المسلمون ذلك الخندق الكبير لمنع الأعداء من الوصول إليهم حيث كان عددهم ضئيلاً نسبة إلى عدد المشركين، فلما تمكن عمرو بن ود العامري من عبور الخندق طلب رجلاً من المسلمين للبراز، فلم يبرز إليه أحد، فقام إليه علي بن أبي طالب -عليه السلام- وكان شاباً يافعاً فأقعده الرسول ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وحثّ المسلمين الآخرين بالنهوض إليه ومقابلته، ووعدهم بالجنة وقال من نهض إلى هذا الرجل أضمن له الجنة، وقال (ص) مرة ومرتين وثلاث ولم ينهض سوى علي بن أبي طالب ـ عليه السلام ـ ويقعده رسول الله (ص) حتى يئس الرسول (ص) من جمع المسلمين فسمح لعلي -عليه السلام- للبروز الى عمرو.
فأين ذهب الإيمان والتقوى والاعتقاد بالجنة والشهادة في سبيل الله عند جمهور المسلمين الذين كانوا حول رسول الله – صلى الله عليه وآله- في تلك اللحظة التاريخية الحاسمة؟
هذا الكلام سهل باللسان، ولكن حينما تحين لحظة الموت والقتل، فعند ذلك يجدّ الجد وتكشف معادن الرجال وخبايا صدورهم وقوة إيمانهم، فحتى رسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم- لم يعلم أن أصحابه سيخيبون ظنه ويعجزون عن تلبية دعوته لمقاتلة عمروبن ود العامري، فالله ـ سبحانه وتعالى ـ هو العالم وحده بخفايا الصدور وهو الذي يدري من الذي سيصبر على الموت ومن الذي ستنهار عزيمته وقواه أمام السيوف؟
من هذا الموقف سنكتشف المشيئة الإلهية في إختيار أصحاب الإمام الحسين -عليه السلام- فليس الإمام من اختار هؤلاء الأفراد بل الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو الذي اختارهم للعب هذا الدور الكبير في التاريخ وليسجلوا كل هذه البطولات التي عجز عنها أصحاب الرسول - صلى الله عليه وآله وسلم- والمسلمون الأوائل.
لنقرأ النهضة الحسينية بعين القلب، هل نجد أنها مشابهة لبقية الثورات التي حدثت عبر التاريخ؟
لقد شهد التاريخ ثورات كثيرة، منها كان أبطالها أصحاب فضائل وكانوا يحملون لواء الحق والعدل والكرامة والدفاع عن المظلومين والمضطهدين وكل قيم الخير والفضيلة، غير أن تلك الثورات لم تستمر ولم تكتب عنها إلا سطورٌ في كتب التاريخ، وحتى إذا تم الترويج لها عبر وسائل الإعلام المختلفة وبطرق فنية متعددة كالمسلسلات والأفلام غير أنها لن تأخذ مواقعها في قلوب الناس مثل ما حدث بالنسبة إلى ثورة الإمام الحسين -عليه السلام- الإصلاحية التي استولت على قلوب الناس من دون أن تجيّر وسائل الإعلام لخدمتها، ولم تحظ بدعم الحكومات أو المؤسسات الاقتصادية الثرية.
لذا يبدو واضحاً العون والامداد الإلهي لقضية الإمام الحسين -عليه السلام- في كل لقطة وفي كل جزئية من جزئيات هذه القضية الكبرى، فكل الثورات ماتت واضمحلت فيما ظلت ثورة الإمام حيّة وساخنة ليس في قلوب المسلمين فقط وانما في قلوب كل الشعوب العطشى للتحرر والعدالة.
إن العناية الإلهية برسالة الإمام الحسين -عليه السلام- كانت مستمرة حتى بعد استشهاده، فمن الذي طمر ذكر الأمويين ورفع ذكر الحسين (ع)؟ ومن الذي واجه محاولات الأمويين والعباسيين لمحو ذكر الحسين ـ عليه السلام ـ؟ ثم من الذي رفع أول قبة على قبر الامام الحسين -عليه السلام- ومن شيّد ضريحه محاولات المتوكل العباسي لازالته ومحوه من الارض؟
لم تكن الشيعة بتلك القدرة والسطوة لمواجهة طغيان الأمويين والعباسيين، لذا فهم لم يكونوا على مقدرة كافية للترويج لقضية الإمام الحسين، أو رفع ضريحه إلى عنان السماء، أو منع الاعداء من طمسه وطمره بالمياه تارة والتدمير تارة أخرى، وأنما الذي فعل ذلك هو الله ـ سبحانه وتعالى ـ.
فكما إختار الله ـ سبحانه وتعالى ـ عيسى -عليه السلام- لتبليغ رسالة الإنجيل وكما اختار موسى -عليه السلام- للترويج لمبادئ التوراة وقيمها، وكما اختار حبيبه محمداً - صلى الله عليه وآله وسلم- لأداء رسالته الخاتمة، فإنه ـ عزوجل ـ اختار الحسين (ع) لإحياء الإسلام وبث الروح فيه بعد ما كاد ينهار على يد الأمويين الذين حولوا هذا الدين إلى مكاسب للثروة والسلطة يتقاسمونها فيما بينهم، لقد اختار الله ـ سبحانه وتعالى ـ الحسين -عليه السلام- كما اختار محمداً ـ صلى الله عليه وآله ـ النبي، ليبقى أبد الدهر رغم أنوف الأمويين والعباسيين وكل الطواغيت والجبابرة وأتباعهم المعادين لمسيرة آل البيت -عليهم أفضل الصلاة والسلام-.
|
|