قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

ولّى عهد المكرمات وجاء عصر الاستحقاقات!
محمد البحراني (*)
ليس هناك ما يشير الى ان المَلك بصدد فتح صفحة جديدة مع شعبه يبني على اساسها نهجا مختلفا عن السابق يتنازل عن بعض من عنجهياته واستكباره في الارض ويضع حدا لاستهتاره بحقوق الناس وقضاياهم السياسية والأمنية والاقتصادية التي غدت عرضة للانتهاك المستمر من قبل نظامه الدكتاتوري والاستبدادي الطائفي..
يبدو ان الملك مازال يعيش اوهام " المكرمات" وما يهمس في اذنه مستشاروه الخائبون حول ما يجب ان يقوم به وما يلزم ان يفعله ازاء تصاعد الغضب الشعبي واتساع رقعة المعارضة السياسية لنظامه وحكومته التي يقودها اللصوص والانتهازيون.. هل يعلم الملك ان عهد المكرمات الذي دشنه نظام القبيلة قد ولّى وان ما يقدمه من "مكرمات" هي في العرف الدولي انتقاص لحقوق المواطنين وانتهاك صارخ لقانون القضاء العادل المستقل غير الخاضع للتسييس الحكومي ولا لأهواء المَلك واسرته الحاكمة؟
اجمع المراقبون على ان خطوة "ملك" البحرين بالعفو عن بعض المساجين والمتهمين بقضايا الحق العام ممن لم يتورطوا في ارتكاب مخالفات جنائية تمس امن الوطن والمواطن.." تأتي بعد اجتماعه بعدد من علماء الدين الافاضل في البلاد وفي ظل الازمة السياسية الخانقة التي تعيشها البحرين من جراء ممارسات النظام القمعية واستمرارها في تجاهل المطالب الحقة للناس، وهو ما يعني ان الملك يريد الاستمرار من خلال تلك "المفردات" المتعلقة بالعفو عن المساجين مستثنيا من تورطوا في "قضايا تمس امن الوطن والمواطن" في اللعب بورقة "المكرمات" المحترقة واستخدامها في ظروف معينة لامتصاص ذلك الغضب الشعبي بدلا من التوجه نحو حقائق الوضع السياسي القائم واستحقاقاته التي تأتي على رأسها قضية التجنيس وتعديل وتغيير الدستور بما يتناسب مع مصالح اغلبية الشعب ووقف عمليات النهب والسرقة واقرار مسألة "الشراكة السياسية" في الوطن وتداول السلطة بشكل سلمي وديمقراطي..
فقد تعمّد الملك وديوانه ونظامه في تضخيم امر "العفو" عن عدد من المعتقلين والمساجين وتعميمه على وسائل الاعلام العربية والعالمية بغية اظهار النظام ومَلِكِهِ بمظهر "المُتسامح" والمرونة في التعامل مع الملفات السياسية والامنية والحال ان الذين سوف يطلق سراحهم ليسوا ممن اعتقلوا بسبب التعبيرالسياسي ولا نشطاء حقوقيين بل بعض المجرمين والمتورطين في قضايا اخلاقية وجنائية! فيما اجمع المحللون السياسيون والمطلعون على اوضاع الداخل ان مبادرة الملك هي (كسابق مبادراته) من اجل التنفيس عن حالة الاختناق التي يعاني منها النظام وهي مرحلية ومؤقتة وسرعان ما تعود حليمة لعادتها القديمة!.. ولكن هل ياترى في كل مرة تصلح سياسة (المكرمات) مع شعب قد شب وشاب على المعاناة وعلى السجون والتعذيب وتقديم الشهداء من اجل قضاياه الحقة وبخاصة وان تلك المكرمات تأتي كهبة من الحاكم وليس كنوع من استحقاق ضمن سلسلة من الاستحقاقات السياسية التي تطالب بها الجمعيات السياسية المعارضة؟
ان تجاهل الملك لارادة الشعب والمضي في سياسة المكرمات المهينة للناس وعدم الالتفات الى الاستحقاقات المطلوبة سياسيا امر يعود بالضرر على النظام ولا يسهم في حلحلة الوضع المتأزم الذي افرز التفاتة دولية وحقوقية عالمية احرجت الملك وجعلته يتخبط تارة بخطاب تصعيدي ضد الشعب والمعارضة السياسية وتهديدهم بالعقوبات الجماعية عبر وقف مشاريع التنمية والاعمار وتكريس الفقر والحصار الاقتصادي وتارة عبر سياسة المكرمات تلك التي يجمع اليوم المراقبون في البلاد بانها من الماضي ولا تصلح لعصر الاستحقاقات السياسية والوطنية..
نحن نرى ان النظام اصبح اليوم في ورطة كبيرة وان الملك واعوانه ومستشاريه يعيشون ازمة حقيقية يريدون الخروج منها باقل ثمن وبلا خسائر يقدمونها على شكل تنازلات سياسية وهذا بالتحديد ما يصبون إليه بين فترة واخرى عبرحملة اعتقالات ومسرحيات وقضايا مفبركة ضد المواطنين لاستخدامها في ظروف خاصة كتلك التي تمر بها البحرين اليوم حيث النظام يتصور ان سياسة المكرمات سوف تهدّئ الاوضاع وتعيد الامور الى نصابها ناسيا بل متناسيا ان المشكلة هي في اصل النظام السياسي الظالم ووجود دستور غير متفق عليه دُبـّر بليل من قبل الملك ومن دون وضع حلول لتلك المشكلة والاقرار بالاستحقاقات وتقديمها على شكل قرارات عملية فان تلك المكرمات لا تنفع لشيء سوى الدعاية والاعلام وتلميع صورة النظام عالميا تلك الصورة المهزوزة التي اصبحت اليوم موضع الاشمئزاز والتشكيك!
موقف النظام اصبح اليوم وبفعل نضالات الشعب وجهود الحقوقيين والسياسيين في وضع لا يحسد عليه والمطلوب هو عدم الالتفات لتلك المكرمات التي هدفها الاساس امتصاص حالة النقمة والغضب العامة التي تسود البلاد بل المطلوب هو التأكيد على الاستحقاقات واليقظة كل اليقظة من الاعيب الملك وديوانه واجهزته السرية بتلاوينها السياسية والامنية والاعلامية كافة ورفض سياسة التهديد والمكرمات والتركيز على ان الحل يكمن في وقف التجنيس والغاء كل ما ترتب عليه وتشكيل لجنة من المستقلين ورقباء دوليين لوضع دستور عقدي متفق عليه يقوم بدور اساس في تغيير كل القوانين التي تكبل عربة الديمقراطية من الانطلاق وبخاصة تلك المتعلقة تدوال السلطة وقوانين الدوائر الانتخابية التي يجب ان يتم التشريع لها على اسس سليمة وعادلة وغير طائفية.. ومن دون ذلك فان مكرمات الملك لا تنفع حتى لعفطة عنز!.
(*) كاتب من البحرين