قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
حقوقه مكفولة في الاسلام
إدراك حقوق اليتيم خطوة نحو التكامل والسعادة
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة محمد طاهر محمد
أولى الدين الاسلامي الحنيف عناية خاصة باليتيم حينما فرض على المجتمع رعايته وكلف كل فرد من ابنائه بذلك، ونرى العناية الالهية تتجلى في أبهر صورها حينما تتبنى مشكلة تعاني منها المجتمعات في جميع الادوار والمراحل التاريخية ألا وهي مشكلة اليتامى، فالاطفال الذين يفقدون اليد التي تحنو عليهم يبقون في مهب الريح العاتية وعرضة للرذائل والانحراف لذلك احاطت الرحمة الالهية اليتيم وأولته حصة وافرة من العناية لئلا ينشأ فاقد التوجيه ويصبح عاهة وعالة على مجتمعه، فاهمال اليتيم يساوي إهمال المجتمع وهدم كيانه.
الى جانب ذلك اتفق علماء الدين على حد مشرعي يكون بعده اليتيم خارجاً من صفة اليتيم ليدخل غمار الحياة كاح افراد المجتمع وذلك بظهور واحدة من ثلاث علامات:
1-انهاء الطفل خمسة عشر عاما من عمره اذا كان ذكراً وتسعة اذا كان انثى.
2-انبات الشعر على عانته.
3-الاحتلام بخروج المني من الذكر والحيض من الانثى.
وتنبئ هذه العلامات بوصول اليتيم الى مدارك الرجال او النساء عندها ينتقل من مرحلة الطفولة وهي مرحلة عدم المسؤولية الى مرحلة التكليف الشرعي الذي يُفرض على البالغين، وقد نال اليتيم حصة وافية في الآيات القرآنية الكريمة التي تعرضت له فقد جاء ذكره في اثنتين وعشرين آية اوضحت بيان شمول اللطف الالهي لليتيم في الشرائع السابقة والايصاء به وبيان حقوقه الاجتماعية والمالية وهناك آيات كريمة تناولت بشكل خاص مراحل العناية باليتيم والتي اوصى الله سبحانه وتعالى بها.
ان الرحمة الالهية احاطت اليتيم الذي فقد كفيله وحرم من العواطف الابوية بما يعوضه عن تلك العواطف فقد نهت الآيات الكريمة عن التجاوز على حقوق اليتيم والترغيب في مودته والتلطف له لئلا يشعر بالوحدة والانعزال وكذلك حمايته من المستغلين، وجاءت هذه الرعاية من جملة بنود الميثاق الذي اخذه الله تعالى على بني اسرائيل من قبل كما يحدثنا القرآن الكريم عن هذا الميثاق بقوله تعالى "واذ أخذنا ميثاق بني اسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين وقولوا للناس حسنا واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" – البقرة (83) – فكانت هذه العناية من جملة القواعد التي يرتكز عليها دين الله القويم.
ولم تكتف الآيات القرآنية الكريمة بالايصاء باليتيم والاحسان اليه بل انتقلت الى تطبيق ذلك في قصة النبي موسى مع العبد الصالح (الخضر) عليه السلام عندما وجدا في سفرهما " جدارا يريد ان ينقض فأقامه" – الكهف (77) – وعندما استفسر موسى من الخضر عن الغاية من ذلك العمل وبخاصة أنه كان بدون أجر "قال لو شئت لاتخذت عليه أجراً" جاء الجواب من الخضر عليه السلام "واما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان ابوهما صالحا" فقد حفظ الله تعالى بعنايته لهذين اليتيمين كنزهما المذخور جزاء لصلاح ابيهما.
هذا ما ذكرته الآيات الشريفة في الرعاية باليتيم في الشرائع السابقة، ومذ أطلّ الاسلام بنوره على الجزيرة العربية التي كانت غارقة في ظلمات الجهل والظلم جاء بالعدل والمساواة والرحمة والعطف فأخذ بيد الضعفاء ليأخذ حقوقهم كاملة من المستبدين الاقوياء، وكان في مقدمة هؤلاء الضعفاء اليتامى فشرّع حقوق اليتيم من وقت طفولته المبكرة حتى البلوغ ووضع دستوراً كاملاً في رعاية حقوق اليتيم. فقد حفظت الشريعة المقدسة حقوقه المالية وأولت الاهتمام بهذا الجانب لتحافظ على الرصيد المالي لهذه الفئة، كما اولتهم العناية بتوجيه النفوس اليهم في بقية المراحل الحياتية المعاشية والتربوية فنرى مجموعة من الآيات الشريفة قد خصصت لمشكلة اليتامى من هذه الآيات قوله تعالى: "وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم الى اموالكم انه كان حوباً كبيراً" فايتاء اليتامى اموالهم يكون بالصرف عليهم من ذلك المال في حالة الصغر واما في حال البلوغ واستئناس الرشد منهم فيتحقق ذلك بتسليمه اليهم.
واول شيء تعرضت له الآية الكريمة هو ترك عملية تبديل اموال اليتامى، حيث كان سائداً عندهم ان بعض الاوصياء على اليتامى كانوا يأخذون الجيد من مال اليتيم ويبدلونه بالرديء وقد وقف القرآن الكريم ليردع هؤلاء ويحذرهم من مغبة هذا التعدي بقوله تعالى "ان الذي يأكلون اموال اليتامى ظلماً انما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً" احاديث النبي (ص) والائمة المعصومين عليهم السلام تؤكد ذلك وتنبه المتجاوزين ومن جملة الاحاديث قول الامام الصادق عليه السلام (ان اكل مال اليتيم يخلفه وبال ذلك في الدنيا والآخرة) ثم يحدد سبحانه وتعالى التصرف بمال اليتيم بقوله عز وجل "ولا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي أحسن" .
وقد ذكر الفقهاء في هذه الآية عدة معانٍ منها: ان يكون بحفظ المال واستثماره في التجارة وتنميته رعاية لحق اليتامى، اما عملية تسليم اموال اليتامى فقد حددتها الشريعة المقدسة وجعلت لذلك وقتاً معيناً يكون بامكان الولي او الوصي التخلي عن هذه المسؤولية الملقاة على عاتقه بدفع اموال اليتامى فقال عز وجل "وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ". وقال عز وجل " وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ الْكَيْلَ".
فالمراحل النهائية للمحافظة على مال اليتيم حددتها الآيات الكريمة بشرطين اساسين هما:
البلوغ والرشد، ومن خلال هاتين الآيتين الكريمتين يتضح ان رفع الولاية عن الصبي اليتيم لابد له من المقدرتين البدنية والعقلية ولا يتم تسليم الاموال اليه في البلوغ فقط حتى وان اكتملت رجولته مالم يكتمل نضوجه العقلي، حيث تصبح لديه القدرة الكافية لتمييز مضاره من منافعه وما يصلح له مما يفسده. اما الشرط الثاني الذي حددته الآية الكريمة في تسليم اموال اليتامى اليهم فهو الرشد، وهناك اقوال عديدة في معنى الرشد عند الفقهاء منها اصلاح المال ومنها صلاح الدين وغيرهما من الاقوال ولكنهم – اي الفقهاء – لم يحددوا سناً معينة للرشد على العكس مما فعلوه في تحديد البلوغ ومرد ذلك الى ان تحقيق الرشد يتبع الظروف الاجتماعية والنفسية للشخص وما اكتسب من خبرات وتجارب من بيئته ومجتمعه تهيؤه لتدبير حاله وانعاش حياته والاعتدال في صرفه الاموال واستعداده لخوض غمار الحياة بعقلية موفورة، ويتم ذلك معرفة باختبار اليتيم الذكر بالتجارة وغيرها واليتيمة بالتدبير المنزلي والتصرف الاجتماعي.
فضلاً عن كل هذه الرعاية والعناية من الله تعالى لليتيم، فقد خصه الله تعالى بحقوق اخرى فشمله بالخمس بقوله "وَاعْلَمُواْ أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بِاللّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" كما شملهم عز وجل بالفيء وهو المال المأخوذ من الكفار بغير ان يقاتل عليه وذلك بقوله تعالى "مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ" كما حث سبحانه وتعالى على الانفاق على اليتيم في اكثر من آية ففي سورة البلد تذكر الآية الكريمة ثلاثة اعمال يعملها الانسان لاجتياز العقبة بينه وبين الجنة وهي قوله تعالى: "فلا اقتحم العقبة وما ادراك ماالعقبة فك رقبة أو اطعام في يوم ذي مسغبة يتيما ذا مقربة او مسكينا ذا متربة" فحينما تسد ابواب الرحمة في وجه اليتيم ويئن من ألم الجوع ويتلهف الى رغيف الخبز كان حقا على الله ان يدخل الجنة من يمد يد العون لهذا اليتيم كما حث سبحانه وتعالى الناس على اعطاء اليتيم حتى من الميراث الذي يتقاسمه اقرباء الميت "واذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولاً معروفاً" ففي كنف الاسلام يأمن اليتيم ويجد اليد التي تحنو عليه وتمسح على رأسه لتزيل غبار اليتم عنه وتضفي عليه هالة من العطف والحنان كما يجعل الله سبحانه وتعالى عدم العناية باليتيم واهانته سبباً لزوال النعم واهانة لمرتكب ذلك العمل ففي سورة الفجر " آية 15-16 يقول عز وجل " فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ* وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ" وهذه الاهانة سببها ان ذلك الانسان لم يكرم اليتيم ولم يؤد حقه من الايواء والانفاق لقوله تعالى بعد هذه الآية " كَلَّا بَل لَّا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ" مثلما أوصى الله تعالى بذلك " فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ" فقهر اليتيم وجفوه كان سبباً ايضا لان يكون القاهر والجافي في نظر الآية المباركة هو المكذب بالدين " أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ" بمعنى ان المتمسك بالدين لا يُظهر اليتيم والى جانب هذه الآيات الكريمة التي ذكرها هناك احاديث نبوية كثيرة واقوال للائمة المعصومين عديدة تحث على العناية باليتيم فالدين الاسلامي الحنيف يفرض على كل فرد من ابنائه رعاية اليتيم والعناية به لبناء مجتمع اسلامي متكامل.