حضارة الأخلاق الفاضلة
اللسان؛ خطر ما حق ومعبر نجاة؟!
|
الحلقة الخامسة
*علي ضميري
من الرائع جداً للإنسان أن يحول الصفات الأخلاقية الفاضلة إلى ملكات نفسية في ذاته، ليكسب رضا الله سبحانه وتعالى، وليحقق أكبر قدر ممكن من الوقار لنفسه، والنجاح والموفقية لحياته.
ومن أهم هذه الصفات الأخلاقية الطيبة، صفة السيطرة على جوارح البدن، وامتلاك زمامها، دون الغفلة أو التغافل عنها، لتتحول بعد ذلك إلى أداة شيطانية تطرق على ذاته، فتجعله تابعاً لها، وإن أخطر جارحة على الإنسان وواقعه ومصيره، هي جارحة اللسان، والذي لعله إن صَلُح، صلحت به سائر الجوارح.
وقد حذرنا أهل البيت عليهم السلام، وهم لسان القرآن الناطق، والطريق الوحيد المخوّل لتفصيل كلام الله المجيد وإرادته، حذرونا في نصوص إرشادية وأخلاقية من هذا الخطر الكبير، والملازم لنا في كل لحظة وآن.
والخطر الذي يهدد اللسان به صاحبه، هو عبارة عن كل لفظةٍ تصدر عنه، وليس فيها رضا الله تعالى وصلاح الإنسان، مثل الكذب والغيبة وتوجيه التهمة والبهتان إلى الآخرين والبذاءة بفاحش القول، وغير ذلك من الرذائل التي من شأنها تحطيم الإنسان؛ واقعاً ومصيراً.
*اللسان نعمة ربانية*
شأنه شأن سائر النعم الإلهية العظيمة، يُعد اللسان عضواً مخلوقاً، ولا مناص للإنسان من استثماره في رضا الله تعالى وحسب، أما الغافل عن هذه النعمة ومجالات استخدامها، فمن المتوقع سقوطه في رذائل هو في غنىً عنها بالمرة.
فالحديث عن اللسان حديث عن مخاطر عظيمة ومنافع أعظم. ونحن نلاحظ ما هو سائد لدى الحكومات والدول، أن تجعل لنفسها متحدثاً رسمياً باسمها، يبين للمهتمين بآرائها ومواقفها، ملامح سياستها لتوحيد خطاب مسؤوليها المتعددين للعالم الخارجي، ولكي لاتتعرض لمؤاخذات الجهات الدولية الأخرى وانتقاداتها.
كذلك هو اللسان، بوصفه ناطقاً رسمياً مخوّلاً باسم ما يكنّه المرء ويعبّر عن ضميره، فإذا ما أراد لهذا الناطق أن يكون ناطقاً ممتازاً عنه، لابد له أن يكبح جماحه ويُخضعه لمزيد من الرقابة، وقبل ذلك عليه أن يخضعه لأفضل التربية، ويجعله يستلهم من الروح الزكية والأخلاق الفاضلة، فيحبب إليه الخير ويبغضّ إليه الشر، لئلا يدخله في مداخل السوء والضرر، ويعرّضه لمساءلة الآخرين ومؤاخذاتهم، فضلاً عن حساب الله عزوجل وتقريع النفس اللوامة.
*اللسان في تعريف أهل البيت(ع)*
قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (وهل غير اللسان يجرّ الناس إلى النار) فقيل له: وما الحيلة في ذلك يا رسول الله؟ فقال: (اضبط لسانك).
وعن أميرالمؤمنين عليه السلام قال: (كل كلام ليس فيه ذكر الله، فهو لغو وباطل)، أما الإمام جعفر الصادق عليه السلام؛ فقد قال: (من خاف الناس لسانه، فهو في النار).
فهذا اللسان الذي هو عبارة عن شريحة من اللحم، ويشاركه في عملية النطق الرئتان والحلق والأسنان والشفتان، ليس إلا ممراً، ولابد من تهذيب هذا الممر والمحافظة على طهارته، من خلال إيعازات العقل والقلب.
وليست النصوص المقدسة أعلاه، إلا بعض التجسيد لعظيم اهتمام أهل البيت عليهم السلام ليعي الإنسان مدى الخطر المحدق به من جانب اللسان، وليتعرف أيضاً إلى عظيم الفائدة التي للانسان أن يحققها من خلال استثمار هذه الجارحة العجيبة التركيب والأداء.
*اللسان مفتاح الاسرار*
الكلام عادةً ما هو تعبير عن مكنونات المتكلم، فهو حتى إن أخفى أمراً نفسياً متعلقاً به، فلابد وأن يظهر ضمن فلتات لسانه.. فما أجمل بالمتكلم أن يجد ويجتهد في إصلاح سرّه وسريرته، لكي لايجد هذا اللسان غير الصلاح منه فيتحدث به أو لعله يدفعه صلاحه إلى اختيار الصمت.
ومن عظيم أقوال أمير المؤمنين سلام الله عليه - وكل أقواله عظيمة- في معرض إجابته عن أجمل ما خلق الله، فقال: (الكلام) ولكنه أجاب عن سؤال حول أقبح مخلوق لله، قائلاً: (الكلام) أيضاً! ثم أضاف: (بالكلام تبيضّ وجوه وتسوّد وجوه...)، وقال عليه السلام أيضاً: (تجنّب فضول الكلام لأنه يكشف عيوبك المستورة ويحرّك عليك الأعداء).
وعلى هذا؛ فإن من أروع فضائل الأخلاق وأزكاها، ضبط المرء لسانه، فلا يسترسل بالكلام في كل فرصة للكلام.. ويحاول أن يقيّد غضبه بحدود وقواعد، فلا يتحدث إلا بما هو خير ورحمة، كتعليم الآخرين وتوجيه النصح لهم، أو الإصلاح بين الناس، أو الكلام في طلب الرزق الحلال، أو التحدث بما يزيد من قوة شخصيته، وقال مولى المتقين الإمام علي عليه السلام: (إذا كمل العقل، قلّ الكلام). بمعنى أن من علامات الإنسان العاقل – والعقل أساس النجاح وقوة الشخصية- أنه لايتكلم إلا بما يعنيه ويهمّه لحياته وآخرته.
ثم ان كثرة الكلام يتبعها ملل السامع وإعراضه عن المتكلم. فضلاً عن أن في الكلام الكثير، ارتفاع نسبة الأخطاء، بل ان اختيار الصمت في بعض الحالات فيه أجر وثواب.
وليست الغيبة وكشف معايب الناس وفضح أسرارهم والخوض في المراء- الجدل الباطل- وفاحش الكلام، والاستهزاء والمزاح الباطل، إلا مطبات يقع فيها كثير الكلام..
وأمام الإنسان فرصة النجاح في الحياة، عبر تجشمه عناء تربية ذاته على ضبط لسانه وتعوّد الصبر وكظم الغيظ، والارتقاء بمستواه الثقافي والديني، ليتعلم كيف يصلح شأن نفسه وإخوانه، ويتأكد بأن للآخرين خصوصياتهم وحرماتهم، وأنه ينبغي له ذكرهم بما يحب لنفسه أن يُذكر.
ولعل من أهم طرق تهذيب جارحة اللسان، تجنب مجالس اللهو والبطالة، مثل الطرقات والمقاهي المتعارفة في عصرنا الحاضر، وردّ الإساءة بالإحسان، ووضع ما في ذلك من جزيل الثواب وعظيم الأجر في الحسبان.
نعم... إن خطر اللسان قد يتفشى حتى يصل إلى الانفلات ثم نشوب النزاعات والصراعات وحتى الحروب، لاسيما إذا كان المتكلم بالسوء ذا سلطة ومسؤولية سياسية، مما ينتج عن ذلك استفحال الأحقاد والضغائن لدى فئات المجتمع، وتحولها إلى ثقافة جاهلية بائسة، لها عواقبها الوخيمة.
إن كل آفة من آفات اللسان كفيلة بتدمير مجتمع برمّته، كالاتهامات الباطلة والغيبة والبذاءة، بينما النزاهة وطهارة اللسان، من طبعها وطبيعتها أن تسهم إسهاماً فاعلاً في ترطيب الأجواء الاجتماعية ونشر السلم الأهلي، بعد أن تكون قد صنعت فرداً ومجتمعاً، يتطلع إلى الخير والمحبة، وهذا ليس بألأمر العسير أبداً، لاسيما إذا نظر كل واحد من أفراد الأسرة والمدرسة والمسجد والسوق والمنطقة إلى حياته ومصيره نظرة تمتاز بالجدية والمسؤولية، واستلهم من ارشادات الدين الخاصة بهذا الصدد، وتعلّم من الدروس التربوية الرائعة، والمتوفرة في نصوص القرآن المجيد وما ورد عن أهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين.
|
|