قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

عاطفة الأمومة
*ثناء الراشد(*)
عاطفة الأمومة هي خليط من المشاعر السامية التي أوجدها الله سبحانه وتعالى في كيان الأنثى، لتكون مهيئة لتقديم الرعاية لشيء معين، فقد تدفعها هذه العاطفة الجياشة لرعاية الأطفال والكبار وحتى الحيوانات أو بعض الاشياء التي تحيط بها.
تلك المشاعر التي أودعها الله بها لتكبر بضع سنوات فنراها تقوم برعاية دميتها الصغيرة المصنوعة من (المطاط)... تقلبها بيدها، وتضمها إلى صدرها؛ تبدل ملابسها، وحتى تحاول إطعامها! وتحدثها في بعض الاحيان، وفي وقت النوم تخصص لها مكاناً الى جانبها في السرير قبل ان تنام.
تكبر هذه الطفلة فتتحول إلى تلك البنت الشابّة الحانية المستعدة لاحتضان جسد آخر صغير يصحبها في كل وقت، تلبي له حاجاته دون ملل أو تخاذل... فما الذي يدفعها لهذ العناء؟!!
تتحمل بكاءه، وضجيجه طوال الوقت، ثم تسهر على رعايته وهو نائم، وربما هجرت نومها، باحثة في ظلام الليل عن مستشفى قريب خوفاً عليه من بسيط الآلام... أي كنز تحمله الأنثى؟! وأي طاقة عظمى تحملها على فعل ذلك؟ وهي تدفعه كفاتورة مسبقة دون مقابل في الحال؛ هي ترقب الطفل يلعب ويلهو، وهي في غاية النشوة والسعادة دون أن يدرك هو سر تلك النظرات، ربما يشعر بها لكنه لا يدرك بأن هناك حضناً ينتظره بشوق متى ما أتعبه اللعب أو آذاه شيء، وصدراً يُسند رأسه إليه، يحيطه بالدفء والراحة والأمان.
ترى أهناك أشعة صادرة من قلبها تغمض عينيه برفق؟! أم هو يستمع لسمفونية أثرية أطربته بتعاقب نبضها... فأصغى إليها بهدوء ليغطّ في نومٍ عميق؟!
أم تراه يتذكر ذلك النبض الذي بقي أنيسه طيلة تسعة أشهر في ذلك العالم الدافئ، إنه سرٌ من أسرار الخالق... إنه أحد قوانين البشرية الذي تختزنه كل أنثى ويحتاج له كل طفل، إنه ببساطة نقطة ضعف كل أنثى... ونقطة قوتها في نفس الوقت!
إنه مفتاح سري تمتلكه بيدها لتقرر نشأة وليدها، إنه قرار سياسي واجتماعي سلمه الله المرأة لتقرر مصير أمة إن أحسنت؛ إنه تربية (القوامة) التي ستكون له ذات يوم، إنه صنع الرجولة التي ربما تطلب منها الرفق فيما بعد... إنه الأمان الذي تخيطه له لتلبسه عندما تضطرب أركانها... إنه المفتاح الذي منه تصنع الرسالة التي سيقدمها للأمة. وبعاطفتها تحضر عجينه المميز، وتلقنه بأفكار ليواجه بها مجتمعه عندما يخرج إليه فيكبر ليفكر ويزيد ويقولب، في نفس الوقت هي قادرة على أن تربيه على اللاهدفية وتستطيع أن تصنع منه ناراً عمياء تلتهم كل ما في طريقها، وتحرق كل أخضر ويابس.
الأم الأنثى التي في ضعفها قوة وفي رحمتها استمرار، وفي رقتها سند، ومن آلامها راحة.. أحسنَ من أبدعها وخلقها، فكيف لا يكون لها "كيدٌ عظيم"، إن كانت الرسالة عظيمة، ولو وظفته الأنثى في مكانه لكان أشبه بعلاج طبي فاعل لأمتنا العرجاء، وحل اجتماعي لمشكلة حريتها التي تنادي بها، وخطة سياسية محبوكة مؤكدة النصر أنعشت حاضرنا، وبشرت لمستقبلنا، ولكان سلاحاً يستعصي على المعتدين اكتشافه، لكنه ليس السلاح النووي الذي يبحثون عنه! ولا النفط الذي يحتلون موارده بزعم التحرير والإنقاذ! إنه جلد قنفذ يخمش وجوههم القبيحة؛ إنه الدرع الواقية من غزوهم الفكري الخبيث الذي يودون به تلويث أطفالنا وحري بالأنثى تسخيره لصنع حضارة كانت لنا، وستكون... تربيهم صغاراً ليكونوا كباراً.
إنها ذات الطفلة التي كانت تقلب دميتها الصغيرة، أليس كذلك؟!
*كاتبة من السعودية