قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

الانسان بين التخيير والتسيير
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *السيد طاهر القزويني
إن الذين لم يأخذوا دينهم عن رسول الله وآل بيته عليهم صلوات الله واكتفوا بآرائهم بتفسير الدين والقرآن لم يصيبوا الحق وسقطوا في شرك عظيم، لا سيما في الموضوعات الشائكة مثل البحث في ذات الله أو صفاته عزّ اسمه، أو بالنسبة إلى الآيات المتشابهة التي لا يدرك مغزاها إلا نبي أو وصي، فهما الأقدر على بيان تفسيرها الصحيح.
ومن بينها تلك الآيات التي تتحدث عن الكافرين وكيف أن الله سبحانه ختم على قلوبهم ولم يهدهم إلى سواء السبيل، وانه كتب عليهم الضلالة، والكثير الكثير من الآيات التي تظهر تدخلاً غيبياً في صميم عقيدة البشر، حتى يظن من يريد تفسيرها حسب رأيه بأن الله سبحانه كتب عليهم الضلالة منذ أن ولدوا من بطون أمهاتهم، وأنهم مجبرون على الكفر والإلحاد.
والذين فسروا الآيات التي جاء فيها ذكر (وجه الله) و(يد الله) وغيرها، وقعوا في الشرك لأنهم جعلوا لله عزوجل وجهاً ويداً وأنزلوه تعالى شأنه منزلة البشر ووضعوه موضع المخلوق الضعيف ذي الجسم المادي، ولو أنهم رجعوا إلى النبي وآل بيته عليهم صلوات الله في هذه الآيات، لما سقطوا في هذا الشرك المبين.
وليس المقصود هنا حَجر العقل وإقصاءه عن دوره الطبيعي في التفكير، فأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يدعونا إلى التفكر والتدبر، ولكن بعد أن نعرف الخط العام للآية، وهو أن نأخذ تفسيره من النبي وآله ومن ثم نتفكر في تفاصيلها وأجزائها، وهناك آيات محكمة ومتشابهة، فالمحكمة هي ظاهرة المعنى والمتشابهة هي التي إشتبه معناها واختلفوا فيه ويجب الرجوع بشأنها إلى النبي إن وجد له رأي فيها وإلى الإمام إن لم يوجد.
ومن الأمور التي اختلف فيها المسلمون منذ القدم هي الجبر والتفويض، فأما الذين اتبعوا آراءهم فوقعوا بالشرك والضلالة وقادهم ذلك إلى الكفر، وقد وردت أحاديث بشأنهم تحرم التعامل معهم، ففي الحديث عن الامام الصادق عليه السلام قال (من زعم أن الله يجبر عباده على المعاصي أو يكلفهم ما لا يطيقون فلا تأكلوا ذبيحته ولاتقبلوا شهادته، ولا تصلوا وراءه، ولا تعطوه من الزكاة شيئاً) (بحار الأنوار، ج5، ص11).
فهؤلاء يقولون بأن الانسان لا مشيئة له وأنه مجبر على فعل الأشياء، وأن إرادة الله فوق إرادته وإنه عاجز عن مقارعة إرادة الرب، لذا فهو لا يملك إرادة أو مشيئة من نفسه.
ومن يفكر في شؤون الخلق والحياة من دون مراجعته النص الديني وتفسيره هو بلا شك يسقط في مثل هذا التفكير ويميل نحو هذا المعتقد الفاسد، ذلك انه يلاحظ نشأة الانسان وهو يخرج من بطن أمه بلا إرادة وبلا شعور من نفسه، لا يقدر على شيء من الكلام بل هو بحاجة إلى الآخرين في أبسط أمور حياته، فأما حاجاته الظاهرية فأن أمه تلبيها، وأما بالنسبة إلى حاجات أعضائه الداخلية فهو لا يقدر على التحكم بها، لا في فترة طفولته ولا في أية فترة أخرى من فترات عمره، بمعنى أن الانسان لا مشيئة له بالنسبة إلى اهم جزء من أجزاء بدنه وهو الجزء الداخلي والحيوي الذي يسير حياة الانسان.
وأما بالنسبة إلى حاجاته الأساسية فهو أيضاً عاجز عن تلبيتها بمفرده، بل هو بحاجة إلى الأشياء وإلى الآخرين حتى يلبيها، فمن أجل إدامة النسل البشري الرجل بحاجة إلى المرأة حتى يتكامل ويحقق هدفه الأكبر في استمرار النسل والحياة، ومن أجل تلبية الحاجة إلى الطعام فهذا الانسان بحاجة إلى النبات وأنواع الزرع التي يغذيها رب العزة بالمطر والشمس، وهو أيضاً بحاجة إلى لحوم الحيوانات وغيرها التي جعلها عزوجل في متناول يد الانسان.
وكلما كبر الانسان ونما جسمه وكبر عقله شعر أكثر فأكثر بالنقص والحاجة، فهو يمرض ولا يعرف لماذا مرض؟ ويغيّب الموت كثيراً ممن يقربونه ويعرفونه ولا يعلم ما الذي أدّى بهم إلى الموت، وهناك من يرحل عن الدنيا وهو في مقتبل العمر وهناك من يستمر في الحياة حتى يملها وتمله؛ فلماذا انقطع خيط الحياة عن ذلك الطفل؟ ولماذا هو مستمر مع شيخ طاعن في السن؟
وهناك أفراد يصابون بالأمراض منذ نعومة اظفارهم وتستمر معهم حتى السنين الأخيرة والمتبقية من أعمارهم، بينما هناك أشخاص قلّما يصابون بالمرض في طفولتهم أو عند كبرهم، فلماذا لابد أن يصاب ذلك بتلك الأمراض؟ ولماذا لا يصاب هذا بنفس الأمراض؟
والامثلة كثيرة في الحياة ولا تعد بشأن عجز الانسان وضعف إرادته أمام متغيرات الكون، فهل يعني ذلك انه فاقد الإرادة ولا دور له في الحياة؟ ولا تأثير له في الخلق؟ ولا قدرة له على تغيير وضعه؟
الاجابة ببساطة هي النفي لسبب واقعي وبإمكانك ملاحظته بسهولة، فأية حركة أنت تقوم بها هي ذات تأثير في الحياة حتى وإن كانت حركة بسيطة، فلو تفوهت بكلمة حسنة أو سيئة ستلاحظ بسرعة تأثيرها على الطرف المقابل، فلو شتمته سيأتيك رد فعله بأسرع ما يكون وكذا إذا أحسنت إليه وشكرته، وهذا الشيء ينطبق على الأفعال، ولا نستطيع أن نستغرق كثيراً بالأمثلة وهناك المزيد منها، فكل فعل بسيط يقوم به الإنسان هو ذو تأثير على الحياة وعلى الأفراد وعلى المحيطين وهذا دليل كافٍ على وجود الإرادة لدى الانسان وانه ذو تأثير سلبي أو إيجابي فيها.
أما بالنسبة إلى الأمثلة التي اوردناها في بداية الحديث، حول الإصابة بالأمراض، والفقر والغنى وغير ذلك، فهذا موضوع يدخل في باب القضاء والقدر وهما بحران عميقان لا يقتحمهما أيّ احد، وهما مختلفان عن موضوعي الجبر والتفويض. فالانسان ذو إرادة وغير مجبر على فعل الأشياء بدليل انه مختار على ما يريد من القول ومن الفعل.
وللإنسان إرادة ومشيئة حتى بالنسبة إلى الموضوعات التي قلنا أنها تدخل في القضاء والقدر، وإنما أخفي دور الانسان في تلك الأمور لإتمام سنة الابتلاء، فقد جعل الله سبحانه الرزق في أمور اصبحت تعبدية لكتابة الثواب عليها، وجعل طول العمر والسلامة في أمور أصبحت تعبدية لكتابة الثواب عليها، وجعل عزوجل طول العمر في صلة الرحم والرزق كذلك، وإنما أخفي عنهم ذلك حتى من يريد أن يفعل هذا العمل الحسن إنما يفعله طلباً للثواب وليس لأجل المادة وطول العمر، وما من حال من أحوال الناس إلا وهي متصلة بفعل من أفعالهم ولكنهم وبسبب جهلهم بعلاقة تلك الأفعال وعلاقتها بتلك النتائج فهم يظنون أنهم لا إرادة لهم في حياتهم.
إذن.. فالفقير هو الذي يصنع فقره، والغني هو الذي يصنع ثروته، والمريض هو الذي يخلق المرض لنفسه، والسليم هو الذي يخلق السلامة لنفسه، فهناك من الذنوب التي يرتكبها الانسان ما تجلب له الفقر، وهناك ذنوبٌ أخرى تجلب له المرض، وهناك من الذنوب ما يقصم عمر الانسان، ومن أعظم الذنوب أن يقول الإنسان بالجبر، لأنه بهذا الطريق يلقي بسيئاته على الله ـ حاشى له وعزّ ـ لأنه عزوجل خلقهم وخيرّهم بين طريقين طريق الصلاح وطريق الفساد وإن لم يكونوا أصحاب إرادة فما خيرهم، وما حاسبهم وما عاقبهم على ذنوب ارتكبوها قسراً ومن دون إرادة منهم.