الكوفيون يطمئنون مسلماً بدموعهم وعواطفهم
رسائل تحمل القلوب الى الحسين (ع) دون السيوف
|
علي جواد
عادت نسمات الأمل الى مدينة الكوفة بموت معاوية بن ابي سفيان الذي نكّل بأهلها واوغل في دماء ابرز رجالات الشيعة ممن وقفوا كالطود الشامخ أمام طغيانه وانحرافه في ظل دولة أمير المؤمنين عليه السلام؛ وقد استشعر مسلم بن عقيل بن ابي طالب سفير الإمام الحسين عليه السلام، برودة تلك النسمات لدى دخوله الكوفة بعد سيل من الرسائل والكتب التي بعثها أشراف الكوفة وأعيانها الى الإمام وهو في المدينة تستحثه وتدعوه للقدوم لتولي أمر الخلافة لاسيما وان معظم المسلمين يعرفون سلفاً موقف الإمام من البيعة من يزيد الفاجر والمنتهك للحرمات.
يذكر الشيخ باقر القرشي في موسوعته القيمة (حياة الإمام الحسين ـ الجزء الثاني ـ)، ان اهل الكوفة كانوا يجهشون بالبكاء وهم يسمعون مسلماً يتلو عليهم رسالة الإمام الحسين عليه السلام، ويبدون تعطشهم لقدومه والتفاني في نصرته لينقذهم من جور الامويين وظلمهم.. علماً ان الإمام الحسين عليه السلام حمّل ابن عمه وثقته واقرب المقربين اليه برسالة جاءت بصيغ مختلفة في كتب التاريخ ومما اورده كتاب (الاخبار الطوال): (... اما بعد: فقد اتتني كتبكم، وفهمت ماذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم، وانا باعث اليكم باخي وابن عمي وثقتي من اهلي مسلم بن عقيل ليعلم لي كُنه امركم، ويكتب الي ما يتبين له من اجتماعكم فان كان امركم على ما أتتني به كتبكم، واخبرتني به رسلكم، اسرعت القدوم اليكم ان شاء الله والسلام)
من هنا تدافع الناس على جامع الكوفة لمبايعة الإمام على يد مسلم بن عقيل، وقد بلغ عدد المبايعين على اقوى الروايات (18) الف شخص؛ وامام هذا الحشد الجماهيري لم يكن امام مسلم سوى الركون الى الاطمئنان والثقة بهذه الحشود والاعتقاد بان الأرضية والاجواء باتت مهيئة فعلاً لقدوم الإمام وعودة الحق الى اهله، فكتب رسالة الى الإمام، وحصل ذلك في ايام مشابهة للايام التي نمر بها في شهر ذي القعدة الحرام، وحسب كتاب (انساب الاشراف)، فان الرسالة حسبما ينقلها (الطبرسي) في تاريخه (اما بعد: فان الرائد لا يكذب اهله، وقد بايعني من اهل الكوفة ثمانية عشر الفاً فعجل حين يأتيك كتابي، فان الناس كلهم معك، وليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى...)
هذا الحشد الجماهيري الذي لم تشهده الكوفة منذ سنوات ارعب عملاء الحكم الاموي وجعلهم يشعرون باحتراق ورقتهم في حال استتباب الامر للامام الحسين عليه السلام وكان في مقدمة هؤلاء عبد الله بن مسلم الحضرمي الذي ارسل الى يزيد يحذره من مغبة خروج الكوفة عن سيطرة النظام الاموي وعودتها الى ما كانت عليه في عهد امير المؤمنين عليه السلام، كما فعل الحضرمي ما هو اهم للامويين وهو إعلامهم بالموقف المسالم لوالي الكوفة النعمان بن بشير، ووقوفه على الحياد الايجابي بين دعوة الامويين للبيعة ليزيد وانضمام اهل الكوفة الى صف الإمام الحسين عليه السلام؛ ثم توالت الرسائل والكتب من الامويين في الكوفة يطالبون بعزل النعمان وتعيين بديل عنه يتّصف بالشدة والدموية لابعاد اهل الكوفة عن مسيرة الإمام الحسين الرسالية...
وهكذا حصل؛ فقد وقع اختيار يزيد على عبيد الله بن زياد وكان والياً على البصرة، وجاءت المشورة من مستشاره المسيحي (سرجون)، ويقول الشيخ القرشي في موسوعته: كانت إحدى دوافع سرجون للإشارة على عبيد الله بن زياد لولاية الكوفة هي العصبية القومية فان الأخير كان ينحدر من اصول رومية، الى جانب قسوته وتخليه عن كل القيم الانسانية والدينية.
ومع دخول ابن زياد مدينة الكوفة فان فصلاً جديداً انفتح في تاريخ هذه المدينة، بل انه مثل الاختبار التاريخي العسير، بات يمكن القول معه بانها دخلت التاريخ من اوسع ابوابه لكن ليس باتجاه الفلاح والصلاح وانما نحو الضلال والخسران، اذ يمكن مقارنتها بالمدن العامرة التي دمرها الله وخسف بها الارض طوال فترة الرسالات الالهية.
وعليه فان اول عمل قام به ابن زياد لدى دخوله الكوفة هو نشر الرعب واشاعة اجواء الارهاب، وذكر المؤرخون، ان في بداية استلامه قصر الامارة من النعمان بن بشير، قام بجولات عسكرية في طرق الكوفة لاستعراض العضلات فاعتقل جماعة وقتلهم في الحال، لزرع الرعب والخوف في النفوس وصولاً لهدفه الاساس وهو تخلي الناس عن مسلم بن عقيل، ففي اليوم الثاني من وصوله الكوفة جمع الناس في المسجد وخطب فيهم خطاباً ملؤه التهديد والوعيد، ومما جاء فيه: (اما بعد: فانه لا يصلح هذا الامر الا في شدة من غير عنف، ولين من غير ضعف، وان آخذ البريء بالسقيم، والشاهد بالغائب والولي بالوالي...)، وهي عبارة تحولت الى منهج سياسي اعتمدت عليه كثير من انظمة الحكم في بلادنا الاسلامية وكان آخرها وليس باخيرها نظام حزب البعث في العراق.
ومن النقاط المضيئة التي سجلها التاريخ لمسلم بن عقيل والحقت بملحمة عاشوراء، موقفه في دار هاني بن عروة، عندما كان عنده شريك بن الاعور وهو من الوجهاء وقد مرض مرضاً شديداً، فزاره بن زياد لتكريس وتكثيف وجوده الاجتماعي؛ فتوسل شريك بمسلم وكان يومها مقيماً عند هاني، بان يختبئ في غرفة مجاورة وينقض على بن زياد وهو جالس ليخلص الناس والمسلمين من شره، لكن مسلم أبى ذلك بنفس كبيرة لا تدنو الى حضيض الغدر والغيلة، وذلك في قصة مفصلة، فقال رضوان الله عليه قولته الشهيرة بعد خروج ابن زياد من دار هاني عندما عاتبه شريك على تفويته الفرصة! فقال: منعني من قتله سببان: الاول كراهية هاني لقتله في داره، والثاني قول رسول الله صلى الله عليه وآله بان (الايمان قيد الفتك، والمؤمن لا يفتك...) وفيما كان مسلم بن عقيل رضوان الله عليه يسعى لتقوية قاعدته من اعيان الكوفة والرجال الرساليين من امثال هاني والمختار ومسلم بن عوسجة وآخرين، كانت القاعدة الثقافية لعموم الكوفيين تشكو الضعف والتصدعات، لذا كان اول ما اهتز في اهل الكوفة وتحديداً المبايعين لمسلم وللامام الحسين عليه السلام،هو العامل النفسي، وهو الوتر الحساس الذي ادركه ابن زياد فسيطر عليه وتمكن من ان يغير القناعات والاتجاهات من اقصى اليمين الى اقصى الشمال.
فلما تمكن ابن زياد من استدراج هاني الى قصر الإمارة ثم اعتقاله وتعذيبه، اوعز مسلم الى احد المقربين منه وهو عبد الله بن حازم فحشد حوالي اربعة آلاف مقاتل كانوا ينادون شعار المسلمين يوم بدر: (يا منصور أمت...)، وذكرت الروايات ان مسلماً اسند قيادات هذا الجيش الى اهم الرموز الرسالية المخلصة وهم عبد الله بن عزيز الكندي ومسلم بن عوسجة وابو ثمامة الصائدي والعباس بن جعدة الجدلي، وتقدمت القوات التابعة لمسلم نحو قصر الامارة لتطويقه واستعلام خبر هاني واحواله، ولما رأى ابن زياد السيوف مشرعة والرماح قائمة وهي بآلاف لم يقو على شيء سوى الحيلة والمكر والخديعة وهو ما عمله معاوية في حروبه مع امير المؤمنين عليه السلام، وكان الخيار الوحيد هو الاشاعة وكانت (القشة التي قصمت ظهر البعير)، فارسل جماعة من الوجوه المعروفة مثل شبث بن ربعي وحجار بن ابجر والقعقاع بن شور الذهلي والشمر، ليندسوا بين قوات مسلم ويحذروهم من جيش الشام القادم اليهم ان هم تمسكوا في موقفهم مع مسلم ولم يلزموا بيوتهم... ويذكر المؤرخون ان تمديدات رافقت الاشاعة، ابرزها حرمانهم من العطاء، اذ كانت الكوفة تشكل الحامية العسكرية التي تعتمد في تمويلها على مركز الخلافة، وايضاً التهديد باعلان (حالة الطوارئ) والايغال في الفتك والقمع في الكوفيين، فيذكر المؤرخون، ان النسوة خرجن من البيوت ليسحبن ابناءهن وازواجهن واخوانهن بالقول: (الناس يكفونك)! ثم ان مسلماً رضوان الله عليه توجه الى المسجد للصلاة، فكان في الطريق يقل عدد الافراد مع كل زقاق ومنعطف، حتى وصل المسجد وليس خلفه أحد، وقد حمّل أولئك المنهزمين أمام مسلم وأمام التاريخ المقولة الشهيرة (مالنا والدخول بين السلاطين)؟! وفي تلك الساعة التي خُذل فيها مسلم كانت بالحقيقة الخاتمة المؤلمة لحياته الشريفة التي ثبت فيها للأجيال إلتزام القيم والمبادئ والشجاعة والمروءة.
|
|