الامام الرضا (ع) وولاية عهد المأمون
إحقاق الحق ودعم المسيرة الرسالية
|
جعفر ضياء الدين
شاءت المصادفة ان يقترن تاريخ صدور هذا العدد من (الهدى) يوم الاثنين بالذكرى العطرة لمولد الإمام الثامن من أئمة الهدى علي بن موسى الرضا عليه السلام في الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام.
في هذه المناسبة السعيدة، نسلط الضوء على الظروف السياسية والاجتماعية التي رافقت حياة هذا الامام الغريب، والتي تميزت بتحول كبير في خطاب السلطة في العهد العباسي إزاء اهل البيت واتباعهم، وتوج هذا التحول بتعيين الإمام الرضا عليه السلام ولياً للعهد في عهد المأمون العباسي، لكن لابد من معرفة الاسباب الحقيقية والدوافع التي أدت الى قبول الإمام عليه السلام طلب المأمون العباسي بولاية العهد، وهو عليه السلام لا يخفى عليه منبت المأمون ومنشؤه وايضاً نواياه من هذه الخطوة.
بداية لابد ان نعرف ان المأمون كان يعيش علاقات سيئة بالبيت العباسي بعد قتل أخيه ونقل الخلافة الى خراسان، كما ان القيادات العربية لم تكن راضية عنه بسبب تفضيله الصارخ للقيادات الفارسية، اما انصار البيت العلوي فقد رأوا الفرصة مؤاتية للانتقام من السلطة العباسية الغاشمة وانتفضوا في كل مصر اما محصلة خطط المأمون للاستمرار في السلطة فكانت:
1ـ اكتساب ود انصار البيت العلوي باستقدام الامام الرضا (ع) لولاية عهده.
2ـ تصفية كثير من الثورات بالاعمال العسكرية وبقدر من السماحة والعطاء.
3ـ الالتفاف حول العباسيين واكتساب ودهم والعودة الى خطهم بعد تصفية الفضل بن سهل وشهادة الامام الرضا (ع).
وفي ظل هذه الظروف يطرح هذا السؤال نفسه لماذا قبل الامام الرضا (ع) ولاية عهد المأمون، واذا كان مضطراً الى ذلك فكيف استجاب لتحديه؟
قبل ان نجيب عن هذا السؤال لابد من القول ان الحركة الرسالية كادت تبلغ يومئذ الى مستوى التصدي لشؤون الامة، وبالرغم من ان الامام الكاظم (ع) قضى نحبه في سجن هارون مسموماً، الا ان الحركة لم تصب بأذى كثير، وهكذا كانت موافقة الإمام الرضا (ع) واحدة من فرصتين:
الاولى: القيام بحركة مسلحة قد تنتهي الى دمار الحركة.
الثانية: الاستجابة لتحدي المأمون بقبول ولاية العهد للعمل من خلال السلطة دون اعطاء شرعية لها، كما فعل النبي يوسف حينما طلب من عزيز مصر بان يجعله على خزائن الارض، ثم قام بما استطاع اليه سبيلا، من الاصلاح من داخل النظام...
وكما فعل الامام امير المؤمنين (ع) مع الخلفاء الذين سبقوه عندما قبل بالدخول في الشورى كواحد من ستة اعضاء، وأقل ما في هذه الفرصة الثانية انها تشكل حماية للحركة الرسالية من التصفية، والقبول بها كحركة معارضة رسمية.
وهكذا نعرف ان الامام لم يترك قيادته للحركة الرسالية ـ بل استفاد من مركزه الجديد، كما استفاد الشيعة لدعم مسيرة حركتهم الرسالية التي فرضت نفسها على النظام فرضا.
ولتحقيق هذه الغايات اتبع الامام النهج التالي:
اولاً: امتنع عن قبول الخلافة التي عرضها عليه المأمون اولاً، ولعل السبب في رفض الخلافة كان امرين:
الف: ان تلك الخلافة كانت ثوباً خاصاً بأمثال المأمون وانها لا تليق بحجة الله البالغة، لان بناءها كان قائماً على اساس فاسد، جيشها ونظامها وقوانينها وكل شيء فيها، ولو قبل الامام بها كان عليه ان يهدمها ويبنيها من جديد ولم يكن ذلك امراً ممكناً في تلك الظروف.
باء: ان المأمون لم يكن صادقاً في عرضه، فهو كان يدبر حيلة مع حزبه الماكر للايقاع بالامام إن قبل، بعد اخذ الشريعة منه، كما فعل بالنسبة الى ولاية العهد.
ثانياً: اشترط في قبوله لولاية العهد الا يتدخل في شؤون الدولة من قريب او بعيد، مما افقدهم القدرة على تمشية الامور باسم الامام وكسب الشرعية له وأبان للعالمين ذلك اليوم وللتاريخ الى الابد انه لا يعترف بشرعية النظام بأي وجه، وقد حاول المأمون مراراً ان يستدرج الامام للتدخل في الشؤون فلم يقبل
ثالثا: منذ الايام الاولى لولايته للعهد انتهز الإمام كل فرصة ممكنة لنشر بصائر الوحي، واظهر انه احق بالخلافة من غيره، فمثلاً نقرأ في وثيقة ولايته للعهد ما يدل على ان المأمون انما عمل بواجبه في الاحتفاء بأهل بيت الرسالة، دعنا نقرأ ونتدبر معاً الوثيقة التالية:
(بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الفعال لما يشاء لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وصلى الله على نبيه محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين. اقول وانا علي بن موسى بن جعفر ان امير المؤمنين عضده الله بالسداد ووفقه للرشاد، عرف من حقنا ما جهله غيره، فوصل ارحاماً قطعت، وآمن نفوساً فزعت، بل احياها وقد تلفت، واغناها إذ افتقرت، مبتغياً رضى رب العالمين، لا يريد جزاء من غيره، وسيجزي الله الشاكرين ولا يضيع اجر المحسنين. وانه جعل الي عهده، والأمرة الكبرى، ان بقيت بعده، فمن حل عقدة امر الله بشدها، وقصم عروة احب الله ايثاقها، فقد اباح حريمه، واحل محرمة، اذ كان بذلك زارياً على الامام، منتهكاً حرمة الاسلام، بذلك جرى السالف، فصبر منه على الفلتات، ولم يعترض بعدها على العزمات خوفاً على شتات الدين، واضطراب حبل المسلمين، ولقرب امر الجاهلية، ورصد فرصة تنتهز، وبائقة تبتدر. وقد جعل لله على نفسي ان استرعاني امر المسلمين، وقلدني خلافته، والعمل فيهم عامة وفي بني العباس بن عبد المطلب خاصة بطاعته وطاعة رسوله (ص) وان لا اسفك دماً حراماً ولا ابيح فرجاً، ولا مالاً الا ما سفكته حدوده، واباحته فرائضه، وان اتخير الكفاة جهدي وطاقتي، وجعلت بذلك على نفسي عهداً مؤكداً يسألني الله عنه، فانه عز وجل يقول: "وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً" وان احدثت او غيرت او بدلت كنت للغير مستحقاً، وللنكال، متعرضاً، واعوذ بالله من سخطه، واليه ارغب في التوفيق لطاعته، والحول بيني وبين معصيته في عافية لي وللمسلمين.
والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك، وما ادري ما يفعل بي، ولا بكم ان الحكم الا لله يقضي بالحق وهو خير الفاصلين. ولكني امتثلت امر امير المؤمنين، وآثرت رضاه، والله يعصمني وإياه، واشهدت الله على نفسي بذلك، وكفى بالله شهيداً).
وهناك بصائر نستوحيها من كلمات الامام الرضا المضيئة:
اولاً: قوله (ع): (عرف من حقنا ما جهله غيره....)، حيث عرض بهارون والد المأمون، وبالنظام العباسي كله، الذين لم يرعوا حرمة رسول الله (ص).
ثانياً: انه قال: (فمن حل عقدة امر الله بشدها....) اشارة الى خبر السرائر، وحبك المؤامرات ضد الولاية.
ثالثا: قوله: (بذلك جرى السالف....) لعله اشارة الى سكوت الامام امير المؤمنين عن جهة او صبر الائمة على الاذى خوفاً على شتات الدين واضطراب حبل المسلمين.
رابعاً: ثم بيان برنامجه للحكم الذي يخالف ما كان عليه عامة بني العباس، وبضمنهم المأمون ذاته.
خامساً: وقال اخيراً: (والجامعة والجفر يدلان على ضد ذلك.....) حيث بين بذلك انهم اصحاب علم رسول الله وانهم احق بالأمر منهم.
وكانت من اعظم ما بين فضل الامام، مجالس المحاجّة التي كان يعقدها بين فترة وأخرى، ولنستعرض معاً واحداً من هذه المجالس لنرى ماذا يدور فيها:
(قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند ابي الحسن الرضا (ع) إذ دخل علينا ياسر، وكان يتولى امر ابي الحسن (ع) فقال: يا سيدي ان اميري يقرئك السلام ويقول لك: فداك اخوك انه اجتمع الي اصحاب المقالات، واهل الاديان، والمتكلمون من جميع الملل، فرأيك في البكور علينا ان احببت كلامهم، وان كرهت ذلك فلا تتجشم، وان احببت ان نصير اليك خف ذلك علينا، فقال ابو الحسن (ع): ابلغه السلام وقل له: قد علمت ما اردت وانا سائر اليك بكرة ان شاء الله تعالى.
ثم بين الامام ما يدل على ان هدف المأمون من تشكيل مثل هذه المجالس، النيل من قدر الامام حيث يظن انه قد يتوقف عن محاجة خصومه ولكن الامام قال للنوفلي (الراوي): يا نوفلي اتحب ان تعلم متى يندم المأمون؟ قلت: نعم، قال: اذا سمع احتجاجي على اهل التوراة بتوراتهم وعلى اهل الانجيل بانجيلهم وعلى اهل الزبور بزبورهم، وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى اهل الهرابذة بفارسيتهم، وعلى اهل الروم بروميتهم، وعلى اصحاب المقالات بلغاتهم، فاذا قطعت كل صنف ودحضت حجته، وترك مقالته ورجع الى قولي، علم المأمون ان الموضع الذي هو بسبيله ليس بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
ثم بين الحديث ـ بعد هذا الكلام ـ وضع الجلسة وقال: (فلما دخل الرضا (ع) قام المأمون وقام محمد بن جعفر وجميع بني هاشم، فما زالوا وقوفاً والرضا (ع) جالس مع المأمون حتى امرهم بالجلوس فجلسوا فلم يزل المأمون مقبلاً عليه يحدثه ساعة ثم التفت الى الجاثليق فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر، وهو من ولد فاطمة بنت نبينا وابن علي بن ابي طالب (ع) فاحب ان تكلمه وتحاجه وتنصف، فقال الجاثليق: يا امير المؤمنين كيف احاجّ رجلاً يحتج علي بكتاب انا منكره، ونبي ولا اؤمن به فقال الرضا (ع): يا نصراني فان احتججت عليك بانجيلك اتقر به؟
فقال الجاثليق: وهل اقدر على دفع ما نطق به الانجيل، نعم والله اقر به على رغم أنفي. ثم قرأ الرضا (ع) عليه الانجيل، واثبت عليه ان نبينا (ص) مذكور فيه ثم اخبره بعدد حواريي عيسى (ع) واحوالهم، واحتج بحجج كثيرة اقر بها ثم قرأ عليه كتاب شعيا وغيره الى ان قال الجاثليق: ليسألك غيري فلا وحق المسيح ما ظننت ان في علماء المسلمين مثلك، فالتفت الرضا (ع) الى رأس الجالوت واحتج عليه بالتوراة والزبور وكتاب شعيا وحيقوق حتى اقحم ولم يجد جواباً: ثم دعا (ع) بالهربذ الاكبر واحتج عليه حتى انقطع هربذ مكانه.
فقال الرضا (ع): يا قوم ان كان فيكم احد يخالف الاسلام واراد ان يسال فليسأل غير محتشم فقام اليه عمران الصابي وكان واحداً من المتكلمين فقال: يا عالم الناس لولا انك دعوت الى مسألتك لم اقدم عليك بالمسائل، فلقد دخلت الكوفة والبصرة والشام والجزيرة، ولقيت المتلكلمين فلم اقع على احد يثبت لي واحداً ليس غيره قائماً بوحدانيته افتأذن ان اسألك؟ قال الرضا (ع): ان كان في الجماعة عمران الصابي فانت هو، قال انا هو قال: سل يا عمران، وعليك بالنصفة واياك والخطل والجور، فقال: والله يا سيدي ما اريد الا ان تثبت لي شيئاً اتعلق به، فلا اجوزه، قال: سل عما بدا لك.
فازدحم الناس وانضم بعضهم الى بعض، فاحتج الرضا (ع) عليه وطال الكلام بينهما الى الزوال فالتفت الرضا (ع) الى المأمون، فقال: الصلاة قد حضرت فقال عمران: يا سيدي لا تقطع علي مسألتي فقد رق قلبي قال الرضا (ع): نصلي ونعود، فنهض ونهض المأمون، فصلى الرضا (ع) داخلاً وصلى الناس خارجاً خلف محمد بن جعفر، ثم خرجا فعاد الرضا (ع) الى المجلس ودعا بعمران، فقال: سل يا عمران، فسأله عن الصانع تعالى وصفاته واجيب الى ان قال: افهمت يا عمران؟ قال: نعم ياسيدي قد فهمت، واشهد ان الله على ما وصفت، ووحدت وان محمداً عبده المبعوث بالهدى ودين الحق، ثم خرّ ساجداً نحو القبلة وأسلم.
قال الحسن بن محمد النوفلي: فلما نظر المتكلمون الى كلام عمران الصابي وكان جدلاً لم يقطعه عن حجته احد قط لم يدن من الرضا (ع) احد منهم، ولم يسألوه عن شيء، وامسينا، فنهض المأمون والرضا (ع) فدخلا، وانصرف الناس وكنت مع جماعة من اصحابنا اذ بعثنا الى محمد بن جعفر فاتيته فقال لي: يا نوفلي اما رأيت ما جاء به صديقك، لا والله ما ظننت ان علي بن موسى خاض في شيء من هذا قط ولا عرفناه به، انه كان يتكلم بالمدينة او يجتمع اليه اصحاب الكلام؟ قلت: قد كان الحجاج يأتونه فيسألونه عن اشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم، وربما كلم من تأتيه بحاجة فقال محمد بن جعفر: يا أبا محمد اني اخاف عليه ان يحسده هذا الرجل فيسمه او يفعل به بلية، فأشر عليه بالامساك عن هذه الاشياء، قلت: اذا لا يقبل مني، وما اراد الرجل الا امتحانه ليعلم هل عنده شيء من علوم آبائه (ع) فقال لي: قل له: ان عمك قد كره هذا الباب، واحب ان تمسك عن هذه الاشياء لخصال شتى.
فلما انقلبت الى منزل الرضا (ع) اخبرته بما كان من عمه محمد بن جعفر فتبسم (ع) ثم قال: حفظ الله عمي ما اعرفني به لم كره ذلك، يا غلام صر الى عمران الصابي فائتني به فقلت: جعلت فداك انا اعرف موضعه وهو عند بعض اخواننا من الشيعة، قال: فلا بأس فقربوا اليه دابة، فصرت الى عمران فاتيته به، فرحب به ودعا بكسوة فخلعها عليه، وحمله ودعا بعشرة آلاف درهم، فوصله بها.
فقلت: جعلت فداك حكيت فعل جدك امير المؤمنين (ع) قال: هكذا يجب، ثم دعا (ع) بالعشاء فاجلسني عن يمينه واجلس عمران عن يساره، حتى اذا فرغنا قال لعمران: انصرف مصاحباً وبكر علينا نطعمك طعام المدينة، فكان عمران بعد ذلك يجتمع اليه المتكلمون من اصحاب المقالات، فيبطل امرهم حتى اجتنبوه ووصله المأمون بعشرة آلاف درهم، اعطاه الفضل مالاً، وحمله وولاه الرضا (ع) صدقات بلخ فاصاب الرغائب.
وقصة استعداد الامام لصلاة العيد التي ارهبت النظام دليل آخر على ان الامام لم يترك فرصة الا واستفاد منها لإعلان دعوته، وبيان انه الأحق بالخلافة من البيت العباسي.
|
|