قراءة في كتاب (شريعة الخدمة)
طفولة عاملة وقدرات عاطلة!
|
د. نضير الخزرجي*
خلال إحدى زياراتي لبغداد بعد الاطاحة بالنظام الديكتاتوري، استقللت سيارة أجرة، وبعد برهة من الزمن حانت مني إلى السائق التفاتة بعد أن لمحته يحرك السيارة ويفرملها بيده، فإذا هو مقعد مقطوع الساقين الى الركبة، يستعمل يده فقط لحركة السيارة بعد أن حورت بطريقة بدائية لتكون على مقاسه وتحت مستوى سيطرته، والى جانبه ثنائية متلازمة في صيف العراق عبارة عن قطعة قماش يمسح بها عرقه، وقنينة ماء يروي بها عطشه.
في هذه الأثناء نبض في داخلي عِرق الإعلام فوددت أسأله عن وضعه الجسماني والإجتماعي، فالعِرق دسّاس وحسّاس في آن واحد، لكنني توقفت لئلا أحرجه، فربما كان من ضحايا الحرب العراقية - الإيرانية، ولايريد استرجاع الايام السود والذكريات المرّة، فانكفأت على نفسي قابضا على عرقي ونفسي خجلا واحتراما وإكبارا لهذا الرجل الذي خرج الى الناس يقضي حوائجهم مقابل أجر دون أن يمد يده للكريم واللئيم، وأخذت أقارن بينه وبين أناس يملكون يدين ورجلين وعضلات مفتولة، لكنهم استأنسوا الى البطالة استئناس الفصيل الى أمه، وأصبحوا عالة على هذا وذاك، أو أنهم يستحقرون العمل ويحقرون العامل.
ثم جالت في خاطري مشاهد البعض من مفتولي العضلات وأصحاب العمل والمال يتحايل على شبكة الحماية الاجتماعية من اجل أن يحصل على المزيد من المال دون وجه حق، في حين أن هذا المال هو من حق العاطل والمقعد والمريض واليتيم والأرملة وكل إنسان لا يملك قوت يومه أو سنته على تعبير الشرع، بل إن نموذجنا الحي سائق سيارة الأجرة هو أحق بالرعاية الإجتماعية والطبية ومن واجب السلطات المعنية أن تجلسه في داره معززاً مكرماً وتصرف عليه وعلى عياله من بيت مال المسلمين، فما تقدمه الحكومة لهؤلاء وأمثالهم ليس بمنّة أو مكرمة بل واجباً، فكما من واجب الأب رعاية أسرته الصغيرة، فمن واجب الحكومة رعاية أسرتها الكبيرة.
فالذي يميز المقعد العامل عن السليم العاطل، أن الأول نظر الى العمل (حركة فيها بركة) وإن عدّت بعض الأعمال في نظر البعض وضيعة، أو لا تليق بشأنه ومكانته الإجتماعية أو وضعه الجسماني والنفسي، والثاني نظر الى كبريائه فعزّ عليه الحركة في طلب الرزق، واستسهل البطالة واستساغ المعونة الإجتماعية حتى وإن حصل عليها بالحيلة، ومثل هذا لا يورث لبنيه إلا الحيلة وقصر الهمة، فالنتائج من سنخ العمل، ومن ينثر تبناً لا يورّث تبراً.
ولكن ما هي نظرة الإسلام الى العامل والمستخدم والأجير وما هي الحقوق والواجبات المترتبة؟
هذه الخطوط العامة نجدها في كتيب (شريعة الخدمة) لآية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي، الذي صدر حديثا عن بيت العلم للنابهين في بيروت في (56) صفحة من القطع الصغير مع تقديم آية الله الشيخ حسن رضا الغديري وتعليقه.
في تمهيد الكتيب يرى الكرباسي الخدمة من الرزق الحلال بمنزلة (مهنة شريفة مثل سائر المهن حيث يكتسب المرء من عرق جبينه ولا يكون كلاًّ على غيره ولا يستجدي أحداً، وليس هو بالعاطل الباطل، بل يعد عنصرا حيويا في المجتمع، فلولا هذه الطبقة لما تقدم في الوجود شيء، بل إن جميع الناس دون استثناء هم خدم يؤجرون أنفسهم لخدمة المجتمع، فما من موظف سواء أكان بمستوى رئيس الجمهورية أم الملك إلا موظف في الدولة، يأخذ أجرة لقاء خدماته التي يؤديها .. فأصبح هناك من الخدم من هو بمستوى الملك في أعلى مستوياته، وآخر بمستوى المنظف لأقذر الأشياء، وما هذا الفرز إلا فرز نفسي فرضته الأعراف السائدة بين الشعوب).
ان مفردة العامل كانت تستخدم في الأدبيات السياسية العربية القديمة، فيقال فلان عامل الخليفة على المدينة الفلانية، ثم مع مرور الزمن تحولت مفردة العامل الى وكيل أو والٍ أو محافظ أو عمدة، فكلهم عمال من أصغر إنسان الى الملك أو الرئيس أو رئيس الوزراء، بل إن بعض الملوك يفتخر بخدمة الناس، لأنه يرى في خدمة العباد مكرمة ونعمة إلهية، عملا بوصية الإمام الحسين بن علي (ع): (إعلموا أن حوائج الناس إليكم من نعم الله ـ عز وجل ـ عليكم فلا تملّوا النعم فتعود النقم). وما يبحثه الفقيه الكرباسي في (شريعة الخدمة) بشكل خاص ما يطلق عليه في الوقت الحاضر بالعمالة المرتبطة بمكاتب عمل العمال أو الخدمة المنزلية وملحقاتها، من الذكور والإناث، وربما تطرق استطراداً الى الموظفين في الدوائر والشركات والمستخدمين، وهو إذ يرى في الخدمة المنزلية شرفاً للعامل، لكنه ينبه في الوقت نفسه على الأسر إختيار الأحسن من الخدمة والمشتغلين والسائقين، لان هؤلاء سيصبحون جزءاً من محيط العائلة وبخاصة المربيات، وحسب تعبيره: (فلقد أفادتنا التجارب أن كثيراً من الشخصيات ذات المكانة المرموقة ما وصلت الى ما وصلت إليه إلا عن طريق الخادم أو المربّي أو المرافق، وفي قبال ذلك فإن هناك آخرين وقعوا فريسة هؤلاء الخدم والمربّين والمرافقين).
ويضم كتيب (شريعة الخدمة) (116) مسألة فقهية قديمة ومستحدثة، يمثل إضافة جديدة ينظم عمل مكاتب التشغيل على ضوء الشريعة الإسلامية التي تتولى حفظ حقوق المستخدَم (بالفتح) والمستخدِم (بالكسر)، وتبين لكل واحد منهما واجباته وحقوقه، وهي جديرة بأن تكون نصب عين وزارات العمل والشؤون الإجتماعية، ومحل اهتمام مدراء مكاتب العمل.
*إعلامي وباحث عراقي-لندن
|
|