قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

سجون الطغاة.. اول خطوة في طريق ضياع كرامة الإنسان
*منير عبد الخالق
غالباً ما يُضرب المثل بأظهر المصاديق وأجلى الحقائق؛ فالرئيس السوفياتي الأسبق جوزيف ستالين يعدّ – من الوجهة التأريخية المعاصرة – مثلاً للسوء المطلق، وهو الذي قتل ما يزيد على عشرين مليون إنسان، لتنفيد مخططاته في محيط الاتحاد السوفياتي السابق.. كما يضرب المثل بهتلر الذي دمّر اوربا واجزاء من العالم خلال الحرب العالمية الثانية.. ومن أجلى مظاهر الرعب في وقتنا الحاضر كان (صدام) المقبور الذي عاث فساداً في الأرض وقتل الآلاف من أبناء الشعب العراقي ظلماً وعدواناً.
أما من وجهة النظر القرآنية وعموم الرسالات السماوية عبر التأريخ؛ فإن المثل يضرب بمن قضي على مصيره أن ينتهي إلى الدرك الأسفل من النار كنمرود الذي طغى وحاول قتل النبي إبراهيم الخليل -عليه السّلام-، ثم يضرب المثل القرآني بفرعون الذي كان قمة الإرهاب والقمع والمكر عبر التأريخ، ولعل التأريخ لم يجد لفرعون مثيلاً من حيث اللامبالاة بالقوانين والأعراف الإنسانية، فقد بقر بطون النساء الحوامل وقتل الرجال وحرق البلاد من أجل كلمة سمعها من منجم يتوقع ولادة طفل في المستقبل القريب سيكون من شأنه إعلان التمرد على فرعون وجبروته..
لذا يمكن القول ان طريقة الاستفادة من القصص والأمثال الواردة في القرآن الكريم وغيره من الكتب الإلهيّة، إنما تكمن في توضيح حقيقة من الحقائق، وإعلانها أمام الناس ليستفيدوا منها ويتخذوها شعاراً ورمزاً لمسيرتهم وحركتهم في هذه الحياة.. ومن جملة ما يقف وراء سرد قصة فرعون خلال سور قرآنية عديدة، هو ضرورة أن يشعر الإنسان بكرامته التي زوده الله بها دون سائر المخلوقات في الأرض، وأن يسعى كل جهده للحفاظ عليها وصونها دون مطامع الطامعين بالنيل منها أو مصادرتها.
فالقرآن الكريم يقص علينا، لدى استعراض الصراع بين النبي موسى -عليه السّلام- وبين فرعون، سيرة زوجة فرعون آسية بنت مزاحم التي كانت ترفل بالنعيم والسعادة والثروة.. فقد كانت سيدة مصر الأُولى، مصر التي كانت في أوج قوتها، وكانت معمورة بالزراعة والصناعة والعمارة.
لقد كانت هذه السيدة الجليلة ذات عقل رصين؛ وقد عرفت بأنها محاصرة بالإرهاب الفرعوني العتيد من جهة، وبالمصالح والشهوات من جهة أخرى، ولكنها رغم ذلك كله تحدت تلك العوامل المثبطة فقالت: "رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الجْنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ.."
فترى ماذا كان في ضمير آسية، هذه المرأة الحديدية المتحدية، حتى كانت أقوى من الجبال الراسيات؟
إنها – من المؤكد– كانت تحمل جوهر الإنسانية الذي يميز أولاد آدم عن غيرهم، وهو الكرامة، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان توجّه بالكرامة فقال عزّ من قائل: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَم"، وقال أيضاً: "لَقَد خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيم" حيث أسجد الله الملائكة للإنسان وحملهم على طاعته والاعتراف بكرامته؛ هذه الكرامة التي تحققت للانسان بتسخير الله تعالى كل الطبيعة وما تقل السماء وتحمل الارض بل وسائر المخلوقات لخدمة الإنسان.
لكن في مقابل هذه المنحة والنعمة الالهية نجد ان اول تهديد لهذه الكرامة الانسانية ياتي من الانسان نفسه، لكن كيف؟!
سنصل الى الاجابة الوافية عندما نعرف السبب والدافع الرئيس وراء ابتكار الانسان للسجن أول مرة، بل، كم هم سجناء الضمير في العالم؟
إن آسية بنت مزاحم لم تطرد من بيتها ولم تطلق، ولكن ما أثار حنق فرعون عليها هو أنها كانت قد كفرت بفرعون الذي كان يتفنّن في تعذيب معارضيه، إذ كان يؤتى بهم فيفرشون على الأرض ثم تسمر أطرافهم بالأوتاد، وهي المسامير الكبيرة، ثم يؤخذ القصب ويشطر شطرين ليصبح كل شطر أمضى من السكين، وبعد أن يوثقوا بالحبال والقصب تبدأ عملية التعذيب الرهيبة حيث يُسحب القصب فيسحب معه جلود الضحايا.. وهكذا قتلت زوجة فرعون المؤمنة بالله العزيز العليم، ولكن الضمير الذي كان في داخلها ظل حيّاً، وهو نفسه موجود حتى اللحظة الاخيرة في وجدان كثير من سجناء الرأي في عالم اليوم.
قد يكون البعض قرأ عن السجون، وقد يكون البعض ذاق ويلاتها في عهد الطاغية صدام، وغيره.. ولكن الأمر المثير بهذا الصدد هو أن السجّان ومن يقف وراءه يحاول سحق كرامة السجين قبل كل شيءٍ، وذلك عبر مختلف الطرق، كمنع الغذاء أو توجيه الإهانات أو حتى عبر شراء الضمير بالثمن البخس بعد التهديد والتعذيب..
غير أن كرامة الإنسان – هذه الجوهرة الربّانية – تحدت ولا تزال تتحدى، بدءاً من قابيل ونمرود وهامان ونيرون في التأريخ القديم، ومروراً بهتلر وستالين وصدام وإلى اليوم وعلى مر الاجيال، يبقى الإنسان إنساناً ويتحدى كل الأساليب الجهنمية، ذلك لأن الإنسان الذي يصمم على أن يبقى إنساناً يشعر أن في داخله شيئاً عزيزاً وهو الكرامة والعقل والميل إلى الحرّية والتحدّي..