قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

التوكل في مختبر الايمان
*طاهر القزويني
لتخليص معاملاتك المستعصية في الدوائر الحكومية أنت بحاجة إلى شخصية مرموقة على مستوى مدير مسؤول أو وزير ويجب مع ذلك أن تكون لديك أموال تقنع الوزير بأن يعرض منصبه وسمعته للخطر في سبيل تخليص معاملتك، فأنت على هذا الأساس ستصرف أموالاً طائلة لتخليص تلك المعاملة، أما إذا كنت فقيراً ضعيف الحال وليس لديك بين معارفك من ذوي الرؤوس الكبيرة فأنت بحاجة إلى عزيز مقتدر يفعل ما يشاء وأن يكون رحيماً لكي يعطف عليك ويسهِّل عليك أمرك.. من هو الذي يخلص معاملات الفقراء من دون أن يأخذ منهم (ورقة) أو (دفتر) حسب التعبير الدارج في العراق!
في حين الله تعالى هو العزيز الرحيم الودود، الذي يقضي حوائج الناس حتى قبل أن يطلبوا منه ذلك، فهو ـ عز إسمه ـ لديه القدرة والإستطالة على كل شيء وإنما يقول للأمر كن فيكون، وهو رحيم بعباده ويسهل عليهم الصعاب التي يلاقونها في دروب الحياة، ويحقق لهم مرادهم، وقد وعدهم عزوجل بالنصر الأكيد إذا استنصروه، لكنه لم يرفع عنهم البلاء، فالحياة فتنة وما من إنسان إلا ويمتحن في نفسه وماله وولده فإذا أحسن الإختبار جعله الله سبحانه وتعالى من أوليائه وإن فشل فإنه سيختبر في إمتحانات أيسر حتى يحقق ذلك النجاح ويرتفع درجة.
ومن الناس من لايريد أن ينضم إلى هذا الإختبار، فيعارض أي نوع من البلاء ويسقط عند أبسط درجة من الإختبار، وذالك هو المغرور الجاهل بقدر نفسه، والغافل عن حقيقة وجوده، وسيمهله الله سبحانه مقدار الحياة الدنيا حتى يتحول إلى عالم آخر هو عالم الحساب والكتاب وعندها سيجيب مرغماً عن كل أفعاله وسكناته.
وحال هذا الإنسان لايهمنا بشيء في هذا المقام بقدر إهتمامنا بذلك الآخر الذي سلّم أمره إلى الله ونكس رأسه لعاصفة البلاء، فهذا الإنسان هو بحاجة إلى المواساة والدعم لأنه يكابد ويتعذب ويتألم من اثر الفقر والمرض والمصائب التي تنزل على رأسه، ومن جملة وسائل المواساة التي وفرها له جلّ وعلا، التوكل عليه.. فالتوكل هي وسيلة غيبية لتحقيق الغايات العليا الدنيوية والأخروية، فمن يريد أن يؤسس مشروعاً إقتصادياً يدر عليه وعلى البلد الأرباح الكثيرة، في البداية يخطط للأمر ويعزم عليه ثم يتوكل على الله سبحانه وتعالى ليعينه على تحقيق أهدافه، وكذا الحال إذا كانت الغاية أخروية والمشروع هو للبر والإحسان، فيبدأ بالتخطيط للأمر ثم يعزم عليه ويتوكل في النتائج على الله سبحانه وتعالى.
والعزيمة إذا نقص منها التوكل يكون الإنسان في حالة من الشرود والتردد وعدم الثقة بالنفس، بينما العزيمة زائداً التوكل فإنها تعني المزيد من الثقة بالنفس وهو ما يضيف عاملاً نفسياً آخر لنجاح المشروع، لأن الذي يشرع في وضع الأفكار على صعيد التطبيق العملي يكون بحاجة ماسّة إلى الهدوء والإتزان النفسي، وهذا سيحصل عليه من خلال التوكل على الله، فهو يضمر في نفسه بأن الله ناصره وهو الذي سيسهل عليه أمره يقول القرآن الكريم في سورة آل عمران: "فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ"، وجاء في الحديث الشريف عن الإمام علي -عليه السلام- قوله (التوكل خير عماد) وقال أيضاً (التوكل بضاعة) وقال (التوكل حصن الحكمة) .
ومما يتبين من هذه الأحاديث الشريفة أن الإنسان يطمع بتحقيق أهدافه من خلال التوكل أكثر من اعتماده على الوسائل الأخرى فإن مجرد قول الإمام (التوكل خير عماد) هو يعني أن أفضل ما يعتمد عليه المرء في أعماله هو التوكل على الله، وهذا بالطبع لايعني إهمال مسألة التخطيط والتحقيق والدراسة في المشروع.
والتوكل على الله هي منزلة لايصل إليها أي إنسان لأنها تحتاج إلى نوع من المعرفة غير المتوفرة لدى كثير من الناس وقد اشار الإمام علي بن أبي طالب –عليه السلام- إلى ذلك في حديثه (التوكل حصن الحكمة) لذا فأن مفهوم التوكل وإدراك مغازيه بحاجة إلى معارف مختلفة تقود الإنسان إلى العمل بهذا المفهوم، فالتوكل يعني الإعتقاد بأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ هو مدبر شؤون الخلائق، وأنه هو الذي يضر وينفع وليس أحد سواه، وأن النصر يتحقق من عنده وليس من الكثرة العددية أو الكثرة المادية، حتى وإن كانت ضرورية لتحقيق ذلك النصر، ففي معركة بدر كان عدد المسلمين يبلغ ثلث أعداد المشركين، وهم بالحسابات المادية كانوا مهزومين غير إنهم إنتصروا بفضل توكلهم على الله ـ سبحانه وتعالى ـ ونفس هذا الأمر حصل في معارك أخرى، لكنهم فشلوا لما أصابهم الغرور في حنين لمـّا أعجبتهم كثرتهم وظنوا أن الكثرة العددية هي التي سترجح كفتهم على كفة أعدائهم، وهكذا فأن الكثرة العددية غير نافعة ولاتحقق شيئاً أو مكسباً إذا كانت غير واعية بأهدافها وغير متحدة أمام الأقلية.
إن الخير يأتي من الله ـ سبحانه وتعالى ـ ولاغير، فمن يكن متصلاً بالله ـ سبحانه وتعالى ـ هو منصور بلاشك على أعدائه، إن كان من فئة القلة أو الكثرة، أما من رافق الشيطان فإنه لن يجده عوناً في الشدائد والمصائب، ومآل أعماله إلى الفشل والسقوط، كما جاء في الذكر الحكيم "إِن يَنصُرْكُمُ اللّهُ فَلاَ غَالِبَ لَكُمْ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا الَّذِي يَنصُرُكُم مِّن بَعْدِهِ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكِّلِ الْمُؤْمِنُونَ". فأين يولي وجهه هذا الإنسان، وكيف يغير وضعه؟ والحال أن الذي يكشف الضر هو الله ـ سبحانه وتعالى ـ: "وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ"، لا مناص من التوجه إلى الله، وليس هناك باب أمام هذا العبد سوى باب الله فهو رحيم ودود وغفار الذنوب ويقبل التوبة من عبده وإن كانت جرائمه بعدد الحصى فرحمته وسعت كل شيء.
ومن المهم أن نعرف نسبة التوكل إلى الإيمان، فقد بيّن الإمام الرضا عليه السلام ذلك قائلاً: (الإيمان أربعة أركان: التوكل على الله عزوجلّ والرضا بقضائه والتسليم لأمرالله والتفويض إلى الله) ، فالتوكل على الله هو ركن من أركان الإيمان، ومن لايجد روح التوكل في نفسه فإنه فقد ركناً رئيساً من أركان الإيمان.