قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

العبادات في الإسلام، ادوار وأبعاد
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة *مرتضى الموسوي
للعبادات دور كبير في الإسلام، ونظام العبادات في الشريعة الإسلامية لايتأثر بطريقة الحياة العامة خلافاً لجوانب تشريعية أخرى كنظام المعاملات والعقود، لكونها علاجاً ثابتاً لحاجات ثابتة من أجل انقاذ الإنسان من مشكلة الضياع ولتربطه بالمطلق وتنقذه من العشوائية. فالنزوع إلى المطلق والتطلع إليه، إتجاه أصيل في الإنسان مهما اختلفت أشكال هذا النزوع وتنوعت طرائقه ودرجات وعيه. ومن هنا كان لابد للإيمان بالله والشعور العميق بالتطلّع نحو الغيب والإنشداد إلى المطلق، لابد لذلك أيضاً من توجيه يحدد طريقة اشباع هذا الشعور، حتى يعود هذا الإرتباط بالمطلق حقيقة فاعلة في حياته وقادرة على تفجير طاقاته الصالحة.
فالعبادات هي التي تقوم بدور التعمق لذلك الشعور، لأنها تعبير عملي وتطبيقي لغريزة الإيمان بالله، وبها تنمو هذه الغريزة وتترسخ في حياة الإنسان. ومن جانب آخر نلاحظ أن العبادات الرشيدة بوصفها تعبيراً عملياً على الإرتباط بالمطلق يندمج فيها عملياً جانب الإثبات والرفض فهي تأكيد مستمر من الإنسان في الإرتباط بالله تعالى، وعلى رفض أي مطلق آخر مدّعى، وقد نجحت هذه الممارسات العبادية في المجال التطبيقي وفي تربية أجيال من المؤمنين على يد النبي الأكرم محمد (ص) وعلى يد أهل بيته من الأئمة الأطهار -عليهم السلام- الذين جسدت صلاتهم في نفوسهم وفي رفض كل قوى الشر وهوانها، وتضاءلت أمام مسيرتهم كل شموخ الجبابرة وكل مطلقات الوهم الإنساني المحدود. فوصل بهم السمو في المراحل العبادية في أن أعداءهم كانوا يقرون بذلك، فهذا معاوية الذي كان من أشد أعداء أميرالمؤمنين علي (ع) يتأثر بالحالات العبادية التي كان يحظى بها أميرالمؤمنين علي (ع) في جوف الليل، وفي خبر (ضراربن حمزة الضبائي) ، عند دخوله على معاوية، وسؤاله عن أميرالمؤمنين علي (ع) ، فقال:
إني اشهد لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سدوله، وهو قائم في محرابه قابض على لحيته يتململ تململ السليم، ويبكي بكاء الحزين، ويقول: (يا دنيا يا دنيا، إليك عنّي، أبي تعرضت؟ أم إليَّ تشوقت؟ لاحان حينك! هيهات! غري غيري، لاحاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثاً لارجعة فيها! فعيشك قصير، وخَطَرُك يسير، وأملكِ حقير. آهٍ، آه من قلّة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد.. عندها يقول المؤرخون ان معاوية دمعت عيناه وقال: رحم الله أبا الحسن لقد كان كذلك!
فالعبادات لها أيضاً عمق وسعة من حيث تدريب الإنسان على الصعيد الروحي وعلى الصعيد البدني، الذي يمارسه الإنسان المسلم من خلال العبادات المتنوعة والتي تتطلب كل منها جهداً من نوعه الخاص، تارةً على القصد والنيّة، وتارةً على البذل والعطاء وعلى العمل من أجل هدف أكبر في كل الحقول المختلفة للجهد البشري. فالإسلام أهتم بالتربيّة في الاطار الموضوعي، والنيّة الخالصة لله تعالى، لأنها تربط قيمة العمل بما يحققه من نتائج ومكاسب وخير، للعامل أو للناس أجمعين بما ينشأ عنه، ومدى نظافتها وموضوعيتها وتجاوزها للذات. ومن جانب آخر فإن المارسات العباديّة والإرتباط بالمطلق توفر للإنسان حالة الرقابة الذاتية، مما يهيئ له إمكانية نشوء الشعور الداخلي بالمسؤولية كون العبادة واجباً خارجاً عن الرقابة ومتقومة بالقصد النفسي والربط الروحي للعمل لله ـ سبحانه وتعالى ـ.
ومن حيث السعة والشمول، نلاحظ أن العبادات المختلفة في الإسلام فيها عنصر الشمول لجوانب الحياة المتنوعة، فلم تختص العبادات بأشكال معينة من الشعائر، ولم تقتصر على الأعمال التي تجسد مظاهر التعظيم لله ـ سبحانه وتعالى ـ فقط، بل امتدت إلى جميع قطاعات النشاط الإنساني. وهذا الشمول في العبادة يعبر عن إتجاه عام في التربية الإسلاميّة يقصد ربط الإنسان في كل أعماله ونشاطاته بالله تعالى. ويحوّل كل ما يقوم به من جهد صالح إلى عبادة، مهما كان حقله ونوعه، ومن أجل إيجاد الأساس الثابت لهذا الإتجاه، وزعت العبادات الثابتة على الحقول المختلفة للنشاط الإنساني تمهيداً إلى تمرين الإنسان على أن يسبغ روح العبادة إلى كل نشاطاته وروح المسجد على كل مكانِ عملٍ في المزارع أو المصانع أو المتاجر أو المكاتب، أو السوق، مادام يعمل عملاً صالحاً من أجل الله ـ سبحانه وتعالى ـ.
ففي الجانب الاجتماعي للعبادات، رغم أنها تمثل علاقة الإنسان بربه غير أنها صيغت في الشريعة الإسلامية بطريقة جعلت منها في أكثر الأحيان أداة لعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان وهذا ما نقصده بالجانب الإجتماعي في العبادة. فالفرائض من الصلاة شرعت فيها صلاة الجماعة التي تتحول فيها العبادة الفرديّة إلى عبادة جماعيّة، تتوثق فيها عرى الجماعة، وتترسخ صلاتها الروحيّة من خلال توحدها في الممارسة العباديّة، وفريضة الحج – مثلاً- حددت لها مواقيت معيّنة من الناحيّة الزمانيّة والمكانيّة فكل ممارسة لهذه الفريضة يتحتم عليه أن يمارسها ضمن تلك المواقيت، وبهذا تؤدي الممارسة إلى عمليّة إجتماعيّة كبيرة.
ويبلغ الجانب الإجتماعي من العبادة القمة فيما تطرحه العبادة من شعارات تشكل على المسرح الإجتماعي رمزاً روحياً لوحدة الأمة وشعورها بأصالتها وتميزها. فالقبلة أو بيت الله الحرام شعار طرحته الشريعة من خلال ما شرعت من عبادة وصلاة، ولم يأخذ هذا الشعار بعداً دينياً فحسب، بل كان له أيضاً بعدهُ الإجتماعي بوصفه رمزاً لوحدة هذه الأمة وأصالتها، ولهذا واجه المسلمون عندما شرعت لهم قبلتهم الجديدة هذه، شغباً شديداً من السفهاء على حد تعبير القرآن الكريم حيث يقول: [سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ* وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ]. لأن هؤلاء السفهاء ادركوا المدلول الإجتماعي لهذا التشريع، وأنه مظهر من مظاهر إعطاء هذه الأمة شخصيتها وجعلها أمةً وسطاً.