محاضرة يلقيها سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المُدرسي ـ دام ظله ـ بمكتبه في كربلاء المقدسة
لنتعرف على حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة
|
بسم الله الرحمن الرحيم
"وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ* أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ* لِيَوْمٍ عَظِيمٍ* يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ* كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ* كِتَابٌ مَّرْقُومٌ* وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ* الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ* وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ* إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ* كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ* كَلَّا إِنَّهُمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ* ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ* ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ* كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ* كِتَابٌ مَّرْقُومٌ* يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ".... آمنا بالله
صدق الله العلي العظيم
قد يكون الانسان في وضع تضحي جميع شؤونه متسقة ومنتظمة حسبما يحب ويرتضي، بحيث ينمو ويترعرع في بيئة مفعمة بعبق الايمان واريج المحبة والاخاء الايماني. وقد يعيش المرء حياة تصطحبها القسوة والابتلاء، بحيث تحيطه صور المحنة والعذاب كافة. فبالتأكيد ان كلا الوضعين المختلفين لا يمكنهما ان يتساويا على مستوى التجربة والأجر الذي وعد الله تعالى به المؤمنين يوم القيامة.
الفتنة سنة إلهية:
من مراجعة لآيات الذكر الحكيم نكتشف احدى سنن الباري ـ عز وجل ـ، وهي سنة الفتنة لأبناء البشر الذين يعيشون على هذه البسيطة كافة؛ بل لا مجال لافتراض صورة ما لحياة أحد أبناء البشر وقد خالطتها النشوة المطلقة والرضا اللامتناهي.. (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ). بل من الخطأ أن يتصور المرء أن مجرد اعتقاده القلبي، واقراره بالربوبية الالهية، وايمانه بأركان الدين تكفي ان تحيل حياة المؤمن الموحد الى روضة بهيجة في هذه الدنيا. ان حقيقة الايمان بالشيء تقتضي اثباته في الواقع الخارجي، وجلب المصداقية المفترضة للدلالة عليه.
لذا كانت سنة التاريخ والأمم والحضارات السابقة والحاضرة كذلك الافتتان لاثبات دعوى الايمان. قال الله تعالى: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). فلو افترضنا قبول منطق الادعاء الصرف بالايمان والتوحيد، لتساوت الأمم كما يتساوى أبناء البشر جميعاً في الاعتقاد والأجر والمراتب؛ بل ولإنتفى القبح والحسن، والنار والجنة يوم القيامة. فما أكثر الأمم التي قبلت دعوات أنبيائها ورسلها، ورفضت ما أُمرت به من اصلاح وتغيير ؟. وفي هذا الخضم سقطت أمم واستقامت أخرى على الفتنة، وتميز الكاذب عن الصادق.. ( فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). فتبقى الحجة البالغة التي لا يمكن المرء أن يفر منها يوم الحساب. فـ (العلم) الصادق و (العلم) الكاذب، تكشفه (الفتنة) التي تصيب الناس كافة. وكلما ازداد مستوى الاعتقاد ومراتبه، كلما ازداد مستوى الافتتان ومراتبه كذلك. وهذا ما يفسر جملة من الأحاديث الشريفة التي تؤكد على هذه الحقيقة، منها قول الإمام الكاظم ـ عليه السلام ـ قال: " إنما المؤمن بمنـزلة كفّة الميزان، كلّما زيد في ايمانه زيد في بلائه". ذلك لأنه بقدر حجم الادعاء يكون حجم الافتتان الإلهي. وهذا بدوره لطف إلهي، وذلك لازدياد مراتب الأجر والجزاء في العقبى، وهي ثمرة طبيعية يحصل عليها الانسان المؤمن.
تعدد الفتن :
وبالطبع يختلف الابتلاء بأختلاف المؤمنين، وقد يكون الابتلاء من نوعه الجسدي أو النفسي - الذي لا يقل عن الأول - وقد يجتمعان معاً، الشاب المؤمن يفتتن بغريزته الجنسية وشره الشباب، والتاجر بمعاملات التجارة، والمجاهد في سبيل الله والقائد كذلك، والامام المعصوم ـ عليه السلام ـ أيضاً لا يخرج عن دائرة الافتتان الالهي، رغم قربه ومنـزلته عند المولى تعالى.
نقل أحد الأخوة المؤمنين ( ايام كان داخل سجون النظام الصدامي ) قائلاً: كنا في زنزانة مع جمع من الرجال المؤمنين، الى أن أخرجونا الى ساحة السجن، ثم جاءوا ببنت أحد الرجال المؤمنين الذين اصطف معنا وبعد أن يئسوا من تعذيبه لانتزاع الاعتراف منه، ادخلوها علينا عارية ! وساقوا بها أمام الحضور يمنة ويسرة، ثم قربوها إلى أبيها، وهددوه بشتى الافعال بها إن لم يعترف !! ولكن البنت المؤمنة هذه توجهت إلى أبيها قائلة: أبي؛ هذا في سبيل الاسلام شيء قليل. فهذا مشهد واحد من التعذيب النفسي الذي يلحق بالمؤمنين المجاهدين، ولو قلبنا أرشيف السجون التي تكتظ في أغلب بلدان العالم الاسلامي بالشباب المؤمن، لشاهدنا صوراً مذهلة توضح فداحة القسوة التي يرتكبها الحكام المستبدون ضد رجال الحق ودعاة الاسلام. كذلك عظمة وشموخ صبر هؤلاء الأفذاذ من أجل تحكيم القيم التي يعتقدون بها على أرض الله المترامية الأطراف. إن هذه الصور البطولية الرائعة لو قارنّاها بصور أخرى تقع هنا وهناك، وهي تحكي عن تساقط أدعياء الايمان في وحل الرذيلة - كما تتساقط أوراق الخريف - مقابل شهوة آنية أو حفنة نقود أو مستمسك رسمي من دولة ما -كما يجري على البعض ممن ينتمي الى بلاد الاسلام وشريعة المسلمين والمقيم في البلاد الاوربية - ليرى فداحة المفارقة الكبرى بين تلك الصور وهذه!
كربلاء؛ الفتنة.. الاستقامة:
لقد كان أئمة الهدى المعصومون ـ عليهم السلام ـ وسيرتهم الذاتية خير صورة مباركة ومقدسة، ومثالاً حياً ومتحركاً أمام كافة الأجيال. إن موقف الإمام الحسين الشهيد ـ عليه السلام ـ في رمضاء كربلاء، وموقف إبنه الإمام العابدين ـ عليه السلام ـ وشقيقته الطاهرة الصديقة الصغرى زينب ـ عليها السلام ـ يحكي كذلك قدسية الاعتقاد والايمان بالله، وعظمة استرخاص الغالي والنفيس، واستقبال البلاء والفتنة برحابة صدر في سبيل الله.
وهنا يتساءل المرء أنه كيف تقع هذه النوازل والفتن على الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ وأهل بيته ونسائه وأطفاله..، إن الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ هو الذي اختار طريق الحق وآمن وسار على ما آمن به وانتهى به الأمر إلى واقعة كربلاء. لقد كان من اليسير جدا على الله سبحانه أن يدفع البلاء عن أتباع الحق في يوم عاشوراء، ويبيد أهل الباطل عن بكرة أبيهم بلحظات وثوان. إلاّ أن مشيئة الله اقتضت كيفما شاءت إرادة الحسين ـ عليه السلام ـ، وأن الله يعطي لعبده ما يريد ويجازيه بقدر ما يريد من تقرب الى المولى عز وجل، فأضحى جسد الحسين ـ عليه السلام ـ وأهل بيته خير قربانٍ في هذا الطريق..
تقول الحوراء زينب (ع) لابن أخيها الامام السجاد (ع) : "لا يجزعنّك ما ترى فوالله إنّ ذلك لعهد من رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ الى جدّك وأبيك وعمّك، ولقد أخذ الله ميثاق اُناس من هذه الأمة لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض، وهم معروفون في أهل السماوات أنّهم يجمعون هذه الأعضاء المتفرقة فيوارونها، وهذه الجسوم المضرّجة وينصبون لهذا الطف علماً لقبر أبيك سيد الشهداء ـ عليه السلام ـ لا يدرس أثره، ولا يعفو رسمه، على كرور الليالي والأيام وليجتهدنّ أئمة الكفر وأشياع الضلالة في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلاّ ظهوراً وأمره إلاّ علواً".
وبالطبع أن تصبح كربلاء قبلة الزائرين وكعبة الثوار والعاشقين، هو أمر طبيعي ونتيجة بديهية لما حمل الإمام الحسين ـ عليه السلام ـ من مسؤولية الأداء العظيم عبر الذبح المقدس له ولأصحابه وأهل بيته. فهذه سنة الله في الحياة أن ترتفع معالم الحق وأصحاب الحق، وتعلو قباب العظام والهداة، لتكون شاهداً حياً أمام مرأى العالم. وفي المقابل تنطمس آثار أعداء الله وقبورهم، أمثال يزيد ومعاوية وبني أمية وبني العباس لتكون شاهداً حياً أيضاً على زيف الباطل. فهذه الثمرة يجنيها طلاب الحق في الدنيا، أما في الآخرة فهو أجلّ وأعظم من هذا كله.
|
|