رمضان.. ابواب التوبة ونهر المغفرة
|
مرتضى الحسيني
ها قد حلّ علينا شهر رمضان المبارك، شهر دعينا فيه إلى ضيافة الله تعالى، ومفاد هذه الضيافة الكريمة هو دعوة الله عباده للتوبة، لأنه يحبها لهم.
والتوبة في حقيقتها هي عملية إعادة الإتصال بين العبد وربه، وفي الأحاديث بيان لمدى حب الله جلت قدرته للتوبة، ولعبده التائب؛ منها ما يصور توبة العبد ويمثلها برجل بدوي يقطع الصحراء وفيافيها، مُعرّض للهلاك في هذا الطريق، وهو لا يملك الاّ إبله فإذا ما عطش شرب من لبنها، واذا ما جاع أكل شيئا من شحمها لأن العرب كانوا يأكلون من الإبل وهي حية أثناء ركوبها، ثم يصادف ان يُضيع هذا البدوي إبله في ليل الصحراء المظلم بعد ان فك عقالها، وإذا ما ضاعت هذه الإبل فإن هذا يعني ان عليه ان ينتظر موته البطيء، والهلاك ان لم يعثر عليها، ولذلك فإن هذا البدوي يبدأ في الليل بالبحث عن إبله عله يجدها، وكم ستكون فرحته عظيمة عندما يظفر بها.
ومع ذلك فإنه -جلت قدرته- أشد فرحا عندما يرى عبده يعود إليه تائبا خاضعا حيث روي عن الإمام أبي جعفر الصادق عليه السلام انه قال: (ان الله تعالى أشد فرحا بتوبة عبده من رجل أضل راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها فالله أشد فرحا بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها).
ترى ما الذي يستفيده المؤمنون من هذا الحديث، أليس ذلك معناه لأن لا ندع لليأس مجالا في نفوسنا، أليس ذلك معناه ان يسقط المؤمنون معاني القنوط والإحباط واليأس من قاموسهم، وان يستبشروا بالرحمة الواسعة التي فتحت باب التوبة والمغفرة، وخصوصا في شهر رمضان المبارك، على مصراعيه، وأغلقت أبواب نفوذ الشياطين ووساوسهم للنفوس؟ فلا يستهينن أحد برحمة الله، وليجعل الباب مفتوحا دائما بينه وبين ربه.
فهو سبحانه طالما يفتح أبواب التوبة لعباده، ويغفر لهم كل معصية. وهذا هتافه في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، إذ يقول في أحدهما: (وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون). فهلموا بنا إلى التوبة، وطلب المغفرة، وهذا هو بابها مفتوح للداخلين.
ان التوبة هي بمثابة الاغتسال بماء النهر الذي يتطهر به الإنسان، وشهر رمضان يشبه إلى حد كبير نهر ماء ينساب طاهرا امامنا، في حين قد احاطت بنا ادران الذنوب، وأوساخ الغفلة والشره والطمع والحسد والغيبة والتهمة.. فتجدنا كلما خرجنا من ذنب وقعنا في آخر أشد منه، والشيطان مستول على نفوسنا وقلوبنا يسعى بنا إلى الهاوية، والعياذ بالله منه ومنها. وهكذا فإن القضية ليست هينة. فتعالوا نغسل نفوسنا وقلوبنا، ونصفيها من الرذائل والذنوب العالقة بها بماء النهر الممتد أمامنا، المتمثل في شهر الله الفضيل، شهر رمضان المبارك. لنعقد العزم من الآن على التوبة النصوح، علنا ننال بطاقة المغفرة التي تمهد الطريق لنا في الآخرة إلى جنات النعيم. ولتكن لنا في هذا الأمر همة عالية، وعزم جاد، ولنوجد في داخلنا الحالة النفسية التي تدعونا لأن نطهر ولو نصف ما علينا من الذنوب ان لم يكن جميعها، كي نكون بعد انقضاء شهر رمضان في وضع مغاير للوضع الذي كنا عليه قبله. وهذه هي أبواب الرحمة والتوبة والمغفرة مفتحة،
فلنستفيد من هذا الشهر العظيم، وقد اتخذنا القرار بترك السيئات من أعمالنا، واحلال الصالحات والخيرات محلها.وإذا ما فعلنا ذلك، فإن هذا يعني اننا قد ارتفعنا وسمونا في سلم القربة إلى الله سبحانه، وعرجنا إلى ملكوته، وجسدنا المعنى الحقيقي للتوبة التي هي من أهم الأهداف التربوية لشهر الله تبارك وتعالى.
|
|