قسم: الاول | قبل بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

عبرة لمن يعتبر
الإمام علي ـ عليه السلام ـ مدرسة الوحدة
استولى الرعب والفزع على القادة العسكريين في بلاد فارس ـ قبل الاسلام ـ وهم يشاهدون استمرار تقدم المسلمين وانتصاراتهم المتوالية دون ان يتمكنوا من الوقوف بوجههم، علماً ان الدولة الفارسية في صدر الاسلام كانت تمتلك اقوى الجيوش في العالم عدة وعدداً وخبرة، وقد خاضت خلال قرون من الزمن حروباً ضروساً مع الروم، فعكفوا على تقصي حقيقة امر المسلمين ومصدر قوتهم فجلسوا وتباحثوا وتشاوروا فيما بينهم، وكان كل واحد يدلو بدلوه..
فقال احدهم: ان السبب هو الدين الذي يقاتلون من اجله.. فكان الجواب هو النفي بدعوى ان دينهم مزيفاً ـ حسب اعتقاداتهم، ثم ان مجرد اعتناق الدين لا يوجب التقدم والانتصار، ألم يكن للرومان دين، لكن هزموا على يد الفرس..
ثم قال آخر: انهم سحرة، فجاء الجواب: بان السحر لا يوجب الانتصار في الحرب، ولا يتسبب في هزيمة جيش كامل، وقال آخر: بانها الصدفة، وهكذا، كانت الآراء تترى، حتى اشار احدهم على فكرة اختطاف احد المسلمين واستجوابه ليعرفوا منه هذا السر الغامض فاستحسن الجميع الفكرة، فبعثوا بقوة عسكرية وكمنوا لاحد افراد الجيش الاسلامي وكان منفرداً، فانقضوا عليه واقتادوه اسيراً، فجيء به الى خيمة القيادة، فأومأوا اليه بالجلوس، لكن قبل ان يجلس الجندي المسلم جمع ما تحته من الفراش وجلس على التراب، فاثار هذا الموقف ضحك الجميع واستهزاءهم! فقالوا له: كان عندنا سؤال اردنا ان نسالك اياه، والآن صار السؤال سؤالين.. اولاً لماذا جمعت الفراش من تحتك وجلست على الارض؟ والسؤال الثاني: انتم معاشر المسلمين كيف تحققون الانتصار مع قلة عددكم؟
اجاب الجندي المسلم بهدوء: اما جواب السؤال الاول: فاننا نعمل بوصايا نبينا محمد ـ صلى الله عليه وآله ـ بان نساوي بين بعضنا البعض، سواءٌ في الحضر او في المغيب، واخواني المسلمون في جبهات القتال لا فراش لهم، والجميع يجلس على التراب، فكان حرىٌّ بي ان اتأسى بهم واشاركهم حالهم.. اما جواب السؤال الثاني: فهو الوحدة بيننا، اذ لا يشعر احد بيننا انه فوق الاخرين، ولذا اذا اجار احدنا جيش العدو باكمله فيكون بمنزلة القائد المطاع، وبهذه الروح والثقة العالية تتقوى عزائمنا وتتضاعف ارادتنا وتشتد سواعدنا على القتال فنحقق الغلبة على الاعداء.
فقالوا له: وهل بامكانك ان تجير جيشنا؟! فاجاب بنعم.. فقالوا: اجرنا لنرى صدقك.. قال بكل تأكيد.. فتوجه معهم الى ساحة المواجهة وتوجه بالخطاب الى جبهة المسلمين، وصاح باعلى صوته: ايها المسلمون اني قد اجرت جيش الفرس يوماً وليلة! فجاء الجواب بالايجاب فوراً وكفوا عن القتال كما اراد الجندي المسلم.. هنا اخذ القادة الفرس يطالع الواحد وجه الآخر وهم مذهولون من وقع الحادثة وصدمة الحقيقة التي يعيشها المسلمون.
ويمكن الاشارة الى اهم درس تعلمه القادة الفرس من ذلك الجندي، وهو قد يكون احد المئات من الجنود العاديين في الجيش الاسلامي ولم يكن فقيهاً او شخصاً مميزاً في الجيش والدولة، هو ان المسلمين في تلك الفترة لم يعرفوا المصالح الشخصية ابداً ولم تكن ذات معنى عندهم وقد نقشت احاديث الرسول الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ في قلوبهم يقول في احدها: (حب لاخيك كما تحب لنفسك)، واحاديث كثيرة عنه في مجال توثيق الصلات الاجتماعية والحالة الجماعية ونبذ الانانية والفردية.
ولعل اول من طبق حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وآله ـ على ارض الواقع وبكل شجاعة هو امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ عندما غضّ النظر عن حقه السياسي في الخلافة من بعد وفاة النبي الاكرم ـ صلى الله عليه وآله ـ، وما يزال كثير يتساءلون عن سبب عدم اشهار الامام سيفه بوجه الناكثين لبيعة الغدير، وربما كان الامام محقاً في ذلك من الناحية النظرية، لكن من الناحية العملية وعلى صعيد الواقع كان اشهار الامام سيفه البتار المعروف به في سوح المعارك ضد المشركين واعداء الاسلام، بمنزلة شق صف المسلمين الى نصفين ونشوء اسلامين وليس اسلاماً: الاول اسلام علي بن ابي طالب وتكون له دولة وصولة وجيوش ومؤسسات، والاسلام الثاني للاخرين وتكون لهم ايضاً كل الامكانات والقدرات، وفي المحصلة لن يبقى لدين رسول الله باقية ولن يبقى مكان للقيم الاخلاقية والانسانية بين افراد المجتمع كما نجدها اليوم رغم كل تغيرات الزمن وعواصف الازمات والمنغصات والمحن، فالمسلمون اليوم يعرفون انهم باجمعهم لهم دين واحد وقبلة واحدة وقرآن واحد ومشتركات كثيرة، وهي قياساً باحوال الامم والحضارات الماضية تعد نقطة مضيئة وامتيازاً كبيراً ان يبقى للمسلمين رغم كل ما جرى عليهم خلال الاربعة عشر قرناً، اسس وثوابت لا تقبل التغيير، وهو عين ما قصده امير المؤمنين ـ عليه السلام ـ عندما اجاب بكل هدوء وثقة على تساؤلات الصديقة فاطمة الزهراء ـ عليها السلام ـ وهي تطالبه بالنهوض لاستعادة حقه، وقد اشار اليها بالانصات الى الآذان، فقال لها: اتريدين ان يبقى اسم ابيك يُتلى عالياً خمس مرات في اليوم، ام اقوم بسيفي لاخذ حقي ممن غصبني الخلافة؟!
لقد علم الامام جنود الاسلام وكل المجتمع الاسلامي ان الوحدة والتماسك والذوبان في الاسلام يعد امراً حيوياً وحياةً للدين وللمسلمين، وهكذا فعل بقية الائمة الاطهار ـ عليهم السلام ـ، فلم يكونوا يوماً وشيعتهم ايضاً، سبباً في تصدع جبهة المسلمين وافول نجم الاسلام في العالم حيث كانت الدولة الاسلامية تواجه باستمرار تحديات خطيرة من قوى عظمى تكن العداء والشر للاسلام والمسلمين، مثل الدولة البيزنطينية في الغرب والمغول في الشرق، وبعدها توالت التحديات بظهور امبراطوريات وقوى قاهرة نجدها اليوم امامنا وقد تسللت ونفذت بسبب التشتت والتمزق والحالة الفردية.