البحرين .. عندما يحتاج مشروع الإصلاح إلى إصلاح
|
الشيخ عبدالله الصالح (*)
عندما عاد العلامة المجاهد سماحة الشيخ محمد علي المحفوظ إلى أرض الوطن بعد أكثر من عشرين عاماً قضاها في الغربة القسرية لم يتأخر ولم يتباطأ عن تحمل مسئولياته، فكان مثال المجاهد المثابر من أجل وطنه وقضاياه، ينتقل من مكانٍ إلى مكان، يؤسس هنا ويوجه هناك، ويتحدث إلى الناس هنا ويلتقي مجموعة من العاملين الرساليين هناك، يستقبل وفداً شعبياً هنا ويلتقي مجموعة من الصحافيين هناك. هكذا كان منذ و أن حطت أقدامه على أرض الوطن، وهكذا هو إلى اليوم شعلة من النشاط والعطاء المتجدد، وكتلة من الإخلاص والتفاني، من أجل وطنه الذي لا يساوم عليه، ومن أجل إخوته أبناء الوطن الذين أحبهم وأحبوه، وأخلص لهم وجعلهم هدفاً لعطائه الكبير... وعندما يفتقده الوطن في الصيف غالباً ويشتاق له إخوته وأحبته وأبناء شعبه يجيبهم بابتسامته العريضة المعروفة ونكتته البسيطة: المواطن لا يتحمل حرين في وقت واحد، حر صيف البحرين الخانق لرطوبته الزائدة، وحر الديكتاتورية والإستبداد المفروض.
غير أن سماحته غير من طريقته هذا العام حيث كان الوطن في حاجته ليسد غياب سفر الإخوة الرساليين، فتحمل حر الصيف الخانق، وحر الديكتاتورية والإستبداد المفروض، إلا أن المسألة لم تتوقف عند هذا الحد!!. فأنواع الحرّ تكاثرت على الوطن ومواطنيه وكأن حرّين لا يكفيان، فانهالت أنواع الحرّ لتكبل الوطن وتثقل أجساد المواطنين المنهكة أصلاً، فزاد على الحرين حرّ الإستيلاء المحموم على مقدرات الوطن: في البر والبحر وجوف الأرض حتى لم يبق للمواطن أرضاً يسكن عليها، ولا بحراً يسترزق منه، ولا حظاً قد يأتيه بالخيرات من جوف الأرض. وحرّ الإصلاح اللافح الذي يجوب الوطن ليسد فسح الحرية القليلة المتبقية ويمنع عن الناس نسمات الحياة الهانئة والمستقرة.
وتوالت أنواع الحرّ على الوطن المنكوب والمواطن المغلوب على أمره الذي أصبح غريباً في وطنه جراء التهميش والتمييز والإقصاء والتجنيس، وكان - الأمر الأخطر والأشد على الوطن والمواطنين الباحثين عن الخلاص والفكاك والإنعتاق - هو: حرّ لعق الوعود الإصلاحية والإلتفاف عليها بكل الوسائل الممكنة – قانونية وغير قانونية، المتاحة وغيرها – وبالإستعانة بالشياطين والأفكار الشيطانية. فالتوقيعات والتعهدات تم تجاوزها عبر لجنة الميثاق العتيدة!!. والدستور المجمد (دستور73) - مع كل المؤاخذات عليه – أعطيت الأوامر لإعادة العمل به لكن بعد إحكام تقييده بميثاق العمل الوطني الذي مهد لدستور 2002 الصادر بإرادةٍ منفردة والذي – عملياً - جمد العمل بدستور 73 كلياً وسد فسحات الحرية القليلة الموجودة فيه!!. والبرلمان الوطني أعيد العمل به لكن بعد أن تمت مصادرته والسيطرة عليه من قبل مجلس الشورى المعين الذي يفوق في صلاحياته المجلس المنتخب!!. وحتى هذا النصف المعاق - المجلس المنتخب - لم يترك في حاله بل إمتدت له أيدي العبث والتآمر لتقلل من فاعليته بتوزيعٍ جائرٍ لدوائر إنتخابية ظالمة موجهة ضد طائفة بعينها من أجل تهميشها وإقصائها وإعاقتها حتى عن تلك الحرية الشكلية البسيطة جداً!!
وجاء خنجر التجنيس لينغرز في خاصرة الوطن ويدميها، ويصادر صوت الوطن وأهله بأصواتٍ دخيلة ليست سوى قنابل موقوتة لهدم الوطن على رؤوس أبنائه وشعوب المنطقة!!. وجاءت الحملة الشرسة على النشطاء السياسيين وأصحاب الأصوات الوطنية في ديسمبر 2007م والمسرحيات المرافقة!!. ثم جاءت حزمة قوانين التهديد والوعيد الأخيرة من لدن حكومة تستمد أسباب بقائها على تغذية أوهام وجود المؤامرات لتعميق هواجس الخوف والشك والتوجس والطائفية في أرجاء الوطن وتدمير العلاقة بين مواطنية!!
لكل ما سبق.. يحق لنا أن نطلق صرخات الإنذار لنكون معذورين أمام الله عز وجل وأمام التاريخ والوطن وأبنائه، ونقول بشكلٍ لا لبس فيه وبصوت المواطن الحريص على مصلحة هذا الوطن وبقائه: المشروع الإصلاحي استنفذ كل قواه وهو يحتاج إلى مراجعة وإصلاح من قبل قوى المجتمع وأطيافه قبل أن يموت ويلفظ أنفاسه فتضيع معه كل آمال بناء وطن العدل والشراكة والحرية، حتى يتحول حر صيف البحرين إلى نعمة تجذب أبنائه إلى ربوع الوطن وليس مناسبة للفرار والهروب منه.
(*) عضو الامانة العامة لجمعية العمل الاسلامي
|
|