رياحين البيت ومسؤولية الوالدين
|
*عبد الجبار محمد علي
كما أوصت شريعة السماء، الأولاد بالإحسان لآبائهم وأمهاتهم، وأكدت عليهم لزوم طاعتهم بما يرضي الله سبحانه وتعالى، وبيّنت لهم في نصوص دينية كثيرة، مقام الوالدين ومنزلتهما، ووعدتهم بالجزاء الأوفى إن هم كانوا في موقع رضا الوالدين؛ فانها أوصت الآباء والأمهات بالمقابل برحمة أولادهم، وأكدت عليهم أهمية الرفق بهم، وبيّنت لهم في نصوص دينية عديدة ضرورة وضع تصور مميز عن كيفية تربيتهم التربية السليمة، فضلاً عن تحملهم جملة من الواجبات إزاء أولادهم وليخرجوهم كأفراد صالحين، كما وعدتهم بأجمل المثوبة في الدارين.
وقد روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه تحدث لأصحابه ذات يوم عن رجل كان يكره أن يكون له أولاد، وقد حجّ هذا الرجل في إحدى السنين ووقف في عرفات، فلفت نظره وسمعه شاب قد خشع قلبه وراح يبكي ويدعو لوالديه على أفضل ما يكون الدعاء، فأحدث هذا المنظر تغييراً جذرياً في قناعته ورغبته في أن تكون له أيضاً ذرية صالحة تدعو له في حياته وبعد مماته، وقد ورد في الحديث النبوي الشريف: (الولد الصالح، ريحانة من رياحين الجنة).
ثم إن الإنسان لينفق الأموال على المحتاجين والفقراء، فلا ينال الله من إنفاقه شيء، وإنما الله سبحانه وتعالى تناله التقوى والإيمان الذي يقف وراء عملية الإنفاق، وكذلك قد يبلغ ابن آدم مرحلة عالية جداً من العلم، فيما الله غنيٌّ عن علمه، وإنما يريد لهذا الذي أصبح عالماً أن يبيّت النية الصالحة لبذل هذا العلم لأهله وضمن طرقه السليمة، بل إن الله عزوجل، تعالى عن كل أنواع العبادة التي يتوجه بها الخلق إليه، إذ الله تبارك اسمه قد خلق الناس ليعبدوه، فيصبحوا جديرين مؤهلين لدخول جناته التي أعدّها لهم من قبل.
وكذلك الأمر بالنسبة إلى قضية الزواج وما يعقبها من إنجاب الذرية، إذ الغرض الحقيقي للزواج هو إشباع الرغبات الجنسية، وبناء الانسان المتوازن روحياً، كما أن الغرض الأساس من تكوين البيت العائلي هو ليس الإكثار في الأشخاص وإثقال الأرض بوزنهم.
وقد ورد عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله قوله: (تناكحوا، تناسلوا؛ فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة)، وحاشى لأفضل إنسان في الوجود أن يعير أهمية للعدد بقدر اهتمامه بالمباهاة القائمة على قاعدة الإيمان والتقوى والكيفية الصالحة المتوفرة، أو التي ينبغي لها أن تتوفر في عديد أمة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله.
فالغاية الإلهية السامية من سن مشروع إنجاب الذرية، والإنعام على الذكر والانثى من بني الإنسان، هي العزم على أن يكون لهما بنون صالحون وبنات صالحات، قادرون على تحمل المسؤوليات الإيمانية، وأن يكون كل منهم خير خادمٍ لأفضل شريعة سماوية، لا أن يكون همّ الآباء والأمهات التباهي بالإنجاب، أو إعدادهم ليخدموهم حين يبلغون من الكبر عتياً، أو لرغبة الآباء في الإنفاق على الأولاد لمجرد الإنفاق وإشباع بطونهم.
وإلا فإن من الممكن تحقق هذه الرغبة حيث يعمد الإنسان إلى اقتناء حيوان؛ فيوفر له مكاناً أميناً وطعاماً يغذيه وحناناً ورفقاً يطمئن إليه، كما هو الحاصل لدى الشعوب الغربية التي لايجد كثير من أفرادها رغبة في أنفسهم أو قابلية لديهم في إنجاب الذرية وتحمل مسؤولية مداراتها وتربيتها، فيعمدون إلى اقتناء الكلاب والقطط والجرذان وغير ذلك!!
حقاً؛ ثمة ظروف اجتماعية أو اقتصادية تضغط على الآباء حتى تستولي استيلاءً تاماً على البعض منهم فيما يتعلق بموقفهم تجاه أولادهم؛ فمنهم الإنسان القروي الذي يجهد نفسه في الاكثار من الذرية، ولاسيما البنين منها، ليُعينوه في زراعة أرضه، والرجل العشائري، يسعى إلى مزيد من الذرية لتسهم في مزيد من الدفاع عن العشيرة، وكثير من الأشخاص- في الجانب الآخر- من يمتنع عن الزواج أصلاً، خشية الفقر، وهو إذا تزوج؛ كره أن تكون له ذرية، لشحة ذات يده.
ومختلف نماذج هذه الشرائح تذهب خطلاً، لضعف الوعي الديني فيها، وجهلها بحقيقة الهدف السامي الذي جعله الله وراء الزواج أوالانجاب؛ فهذا القروي يحوّل أبناءه إلى آلات عمل ولا غير، وذلك العشائري يعلم أبناءه قواعد الثأر ومبادئ الحرب والصراع، وكيف يجعل العشيرة الغاية والمنتهى لطبيعة تفكيره وآماله، وذلك المدني الذي يخشى الفقر، يتصور انه باتخاذه الاحتياطات اللازمة يلتزم بالقواعد الاقتصادية العلمية! ناسياً أو متناسياً أن الله تعالى الذي رزقه ورزق والديه حتى بلغ ما بلغ، لقادر على سد حاجات عباده دون عدٍ وحصر.
بينما التصور الديني الصحيح لطبيعة الموقف الأبوي من الأولاد ينبغي أن يكون هادفاً إلى إنجاب الذرية وتوجيهها إلى حيث مرضاة الله، فيكون أفرادها عناصر صالحين، يبنون الحياة وفق ما أراد الله سبحانه وتعالى.
وهذا الهدف العظيم لايمكن تحقيقه إلاّ عبر اهتمام الآباء والأمهات بتوعية أنفسهم وتربيتها بناءً على الأسس الثقافية التي نادى بها القرآن والرسول وأهل بيته الأئمة من بعده، ومن ثم نقل هذا الوعي والتربية الصالحة إلى الأولاد.
بمعنى؛ ان من حق الأولاد على الآباء والأمهات أن يعرفوهم معالم دينهم، ويثقفوهم بالثقافة القرآنية منذ نعومة أظفارهم، ويكرسوا في أنفسهم حب هذه الثقافة دون تحميلهم إياها تحميلاً قسرياً؛ فهذا الحب وهذه الثقافة هما الحصانة والضامن لمسيرة الأولاد وعيشتهم الطيبة.
فلا يكون أكبر همّ الوالدين إشباع بطون الأولاد وكسوتهم الملابس الراقية فحسب؛ فكما للأولاد حاجات مادية بحتة ينبغي للآباء والأمهات تلبيتها، كذلك هناك ماهو أهم منها بكثير، وهي الحاجات الروحية والفكرية والنفسية.
إذ الأطفال بحاجة إلى الحنان المناسب، وهم بمسيس الحاجة إلى العدالة في تصرف الوالدين معهم، كما أنهم بحاجة إلى أن يكون الوالدان خير قدوة لهم، وهم بحاجة أيضاً إلى من يعلمهم- وفق الأساليب المناسبة والمدروسة- الثقافة الدينية الأصيلة التي من طبيعتها أن تحول دون أي انحراف ثقافي.
كما أن من حقوق الأولاد أن يوفر لهم الآباء لقمة العيش الحلال، لأن للقمة الحلال والمسكن والملبس الحلال، تأثيراً نفسياً وأخلاقياً كبيراً على تكونهم وقناعاتهم وسلوكهم؛ أما لقمة الحرام التي لايهتم بعض الآباء بتوفيرها لأولادهم، فهي تحول دون تلقيهم وتقبلهم للتربية الصحيحة والعقائد السليمة بل وتعجزهم عن أن يكونوا أشخاصاً قويمي السلوك، إذ الأرض النكدة لاتخرج إلا نباتاً نكداً، وكيف لمن نبت لحمه وجسمه من الحرام، أن تكون روحه طيبة، بل هي تتلوث بتلوث الجسم.
ثم إن من حق الولد على أبويه أن يختار له اسماً جيداً من شأنه أن ينعكس انعكاساً إيجابياً على شخصيته، وما أروع أن يختارا له اسماً يشير إلى عبوديته لله عزوجل، أو اسماً من اسماء أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فيفضي هذا الأمر إلى حبه وولائه لهم، بعد أن يكون عبداً صالحاً لله عز اسمه.
ومن حقوق الأولاد على آبائهم وأمهاتهم، أن يعلموهم كيفية احترام الآخرين، والتصرف ضمن الذوق السليم، وذلك عبر تنزيه ألسنتهم عن البذاءة، واستخدام المفردات الطيبة، فضلاً عن التأكيد لهم بأن للناس حرماتهم وخصوصياتهم، وكذلك تعليمهم كيفية اكتساب احترام الآخرين لهم، عبر تكريس مبادئ الخير ومفاهيمه في أنفسهم وتلقينهم تلقيناً مناسباً مدروساً حبّ الآخرين والرغبة في تقديم يد العون لهم، وطرد الأنانية والتكبر تجاه غيرهم.
وهذا مالايمكن للوالدين إلا بعد أن يتجشموا هم أولاً عناء تخلّقهم بالسلوك القديم ليكونوا خير قدوة للأولاد، الذين سيجدون في آبائهم وأمهاتهم مصداقاً مناسباً للتمثل والاقتداء بهم.
ومن هذا المنطلق، يتوجب على الوالدين- بادئ ذي بدء- أن يوفرا لذريتهما جواً عائلياً سليماً مفعماً بأحسن الأخلاق وأرقى درجات الأمن والسلام، إذ إن وجود المشاكل والعقد النفسية بين الوالدين تنعكس سلباً على الأولاد وبصورة مباشرة وسريعة.
وإذا كانت أوجه الاختلاف طبيعة لاتسلم منها أسرة من الأسر، فإن من الحري برب العائلة وربة البيت، أن لايحولا وجود الاختلاف إلى مشكلة عسيرة الحل، لاسيما أمام أنظار الأطفال على الأقل، ولايسعى الوالد مثلا إلى جعل نفسه طاغية جباراً مسلطاً قوته على رؤوس أولاده، كما على الوالدة أن لاتسعى لجعل دورها دور الملاذ الآمن لهم من سطوة أبيهم، ولكن قبل ذلك، عليهما معاً أن يوليا سلوكهما مزيداً من التنظيم والتنظيم تجاه الأولاد.
بمعنى لزوم أن تكون من جانب الأب الإدارة المطلوبة، دون تلويثها بكثير من القرارات الصارمة والخطوط الحمراء، وأن يكون الحنان في حدوده المعقولة والمطلوبة من جانب الأم، لتتكامل بذلك أسس التربية والتثقيف، ليجعلا من الولد فيما بعد كائناً مسؤولاً يستشعر دوره الذي ينبغي أن يكون دوراً إيجابياً في صناعة الحياة الطيبة لنفسه ولغيره.
وما أجدر بنا نحن العراقيين الذين طالما حاول الطغاة حرماننا من الثقافة الدينية الرصينة التي تعلمنا أصول الحياة الطيبة، بفعل الحياة العسكرية التي سلّطت على رؤوسنا طيلة عقود من الزمن، وبفعل الثقافة الفاسدة المستوردة لنا من الأجانب عبر الأفلام والإعلام الماجن؛ أن نشمّر عن سواعد الجد لتفهم حقائق التربية الدينية وآفاقها، ووعي ما يريده منا القرآن وأهل البيت، بلا شعارات زائفة، وبلا انتماءات غير واعية، لنتمكن من صياغة الشخصية العراقية ضمن المفاهيم الدينية الحضارية، ولنضمن أفضل قدر من السعادة لأنفسنا وأكبره على صعيد الدنيا والآخرة.
|
|