قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
حضارة الأخلاق الفاضلة
ما للإنسان وما عليه!؟
*علي ضميري
كما للإنسان حقوق ينبغي أن ينالها كونه موجوداً في هذه الحياة، كذلك عليه حقوق ينبغي له معرفتها وأداؤها، لأنه بطبيعة الحال لايعيش بمفرده في هذا العالم، أو لنقل: إنه من غير اللائق به أن يعيش في معزل عن الناس، أو يفضل الحالة الانفرادية على الحالة الاجتماعية، وعليه يكون من المهم جداً، اهتمامه بمعرفة ما للآخرين من حقوق عليه، والتعرف على ما للأشياء من حقوق تجاهه، فإذا أنجز ذلك يكون قد تخلص من أدران العصبية لنفسه، وداء الأنانية والتكبر والعزلة.
وليس غريباً أبداً أن يكون ديننا الإسلامي الحنيف، قد أولى تنظيم العلاقات الاجتماعية ورسم تفاصيلها اهتماماً كبيراً، فحدد الحقوق والمواقف اللازم على الفرد والجماعة الالتزام بها. ثم جعل هذه الحقوق والمواقف ضمانة للسلم الاجتماعي والإنساني وتحقيق التقدم والخير والسعادة.
وهذه الحقوق تجسد الترجمة الحيّة لمعاني الحريات الفردية والاجتماعية التي نزلت بها الرسالات السماوية، وجاءت بها الرسالة المحمدية على وجه الخصوص لتنظيم حياة الناس والواقع البشري عبر التاريخ والأجيال، لاسيما وأنه لايمكن تصور الحريات مشرعةً وبلا حدود، إذ التصور الإباحي للحريات، يؤدي إلى استفحال الفوضى ونشوب الصراعات بين أفراد وجماعات البشرية.
بل إن أهم الاسباب اندلاع النزاعات بين شرائح المجتمع الواحد وبين الشعوب، هي عدم معرفة الحقوق الخاصة بالآخرين، أو عدم التقيد بها، والإصرار على تجاهلها، وهذه الحالة تقف على النقيض مما أرادته شريعة السماء، وضحى من أجله الأنبياء والأئمة والصالحون.
أداء الحقوق ومرحلة الكمال
إن اهتمام الإنسان بمعرفة ما عليه من حقوق، فرضتها عليه السماء، يشير إلى بلوغه مستوى سامياً جداً من التكامل والنضج والذوق الرفيع، لأنه إذ ذاك يكون قد أزاح عن نفسه داء التعصب المقيت وأدران الأنانية وطهرها منها، ليسمح لغيره من الناس والمخلوقات الأخرى، بل ولنفسه بالعيش بسلام إلى جانبه، دون أن يمسّها بسوء ويتجاوز حدودها، وقد قال الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله: (المسلم من سلِم المسلمون من يده ولسانه)، بمعنى أن المسلم الحقيقي هو الذي يلتزم بتعاليم الإسلام ويصل إلى حد احترام ما يحيط به ويتعامل معه، تعاملاً مبنياً على أساس النظام والقانون الشرعي.
ونعلم جيداً أن الدين الإسلامي الحنيف هو الدين الأكمل على الإطلاق... (إنما بعثت لأتمم مكارم الاخلاق)، إذ هو متوفر على التعاريف وتفاصيل قوانين الحياة كافة التي أوجدها الله تعالى، بما فيها سائر المخلوقات..
هذا فضلاً عن أن هذه القوانين الدينية المقدسة تمتاز بقابليتها على التحقق والتطبيق، وهي بلا ريب تريد لبني البشر اليسر، ولاتريد بهم العسر، كما أنها كفيلة بالقضاء على جميع المشاكل والأزمات، وإزاحة كل العقبات التي يجدونها جاثمة على طريق السعادة والهناء، ومن أهم هذه القوانين والتشريعات، بعد أصول الدين وقواعده، تلك المتعلقة بالحقوق المترتبة على الإنسان، خصوصاً وأننا نعرف بوجود قوانين وأحكام تضمن له حقوقه لدى الآخرين وفي ذممهم.
وقد أرشدت الرسالة المحمدية، قرآناً وروايات، الإنسان إلى معرفة ما عليه من حقوق، وفرضت عليه رعايتها، مثل حقوق الله تعالى وحقوق رسوله العظيم وأهل البيت عليهم السلام، وحقوق الوالدين والأولاد، وحقوق الأصدقاء والإخوان، وحقوق الحاكم والمحكوم، وحقوق المعلم والتلميذ، والبائع والمشتري، والمدّعي والمدّعى عليه، وكثير من أنواع الحقوق التي يفترض بالفرد والجماعة إتقان أحكامها وأساليب تطبيقها وتعلمها، ليضمن الفرد أولاً: سلامته من الانغماس والارتكاس في الأخطاء، التي لاريب في أن غيره سيدفع ثمنها غالياً، وثانياً: احتمال إصابة عجلة الحركة الاجتماعية بعطل ما، قد تكون في كثير من الأحيان ذات عواقب وخيمة.
وغير هذا، فقد رسم الإسلام خارطة متكاملة لحقوق أعضاء الإنسان تجاه نفسه.. فإذا جهد في التعرف عليها وتطبيقها وتفعيلها في سلوكه، يكون قد أيقظ في ذاته ملكة أخلاقية رائعة، وضمن مسيرته الصحيحة على الطريق القويم، وهو طريق الحق والسعادة.
ومن العدل؛ رعاية الحقوق التي هي بمسيس الحاجة إلى تفصيل وتوضيح، وإلى تعلم وإتقان، ولكنها كذلك بحاجة إلى إحراز مقدمات مهمة، ومنها: ارتباط الإنسان المخلوق بربه الخالق المتعال، عبر التقوى والمعرفة وعبر الصبر وكبح الذات عن ممارسة الظلم والاعتداء على حقوق الآخرين، لتتم صياغة شخصية الفرد والمجتمع صياغة جديدة، بعيدة عن الواقع الإجتماعي المزري الذي تعانيه الأمة، من خلال الاستلاب المتبادل للحقوق.
ولذا؛ فالمفترض بالفرد أن يولي قضية الارتقاء بمستواه الاخلاقي والروحي الأهمية اللازمة، فلا يسمح لأي عامل من عوامل الرذيلة والتأخر بالاستيلاء على مقدرات معيشته، فيتعرف إلى ما له وما عليه، فيجعل من روحه، روحاً تحب الخير وتحترم الحدود، ولا تريد الأذى لمن ولما حوله، فضلاً عن عدم ظلمه نفسه، ليحقق الخير الممكن والسعادة المرجوه لواقعه الدنيوي ومصيره في الآخرة.
ولعل من أهم النصوص الدينية والأخلاقية الخاصة بموضوع الحقوق، بعد نصوص القرآن المجيد، نص رسالة الحقوق المأثورة عن إمامنا الرابع، علي بن الحسين زين العابدين سلام الله عليهما، التي أوردها أعاظم علماء مذهب أهل البيت صلوات الله عليهم، في أهم موسوعاتهم الحديثة وكتبهم الأخلاقية والتربوية، حتى أن منظمة اليونسكو أدرجتها في مواثيقها المهمة، وإن من الضروري لكل إنسان، وخصوصاً اتباع مدرسة القرآن الكريم والعترة النبوية المقدسة أن يطالعها بإمعان ودقة، لكونها تتضمن فصولاً وحلولاً شافية لكثير من المشاكل الإنسانية والأزمات الاجتماعية، حيث أورد فيها الإمام السجاد عليه السلام كثيراً من نماذج الحقوق المترتبة على الإنسان ومصاديقها تجاه ما يتعامل معه في حياته اليومية، فكراً وممارسة، ليجد انه قد تخلص من المشاكل التي بطبيعتها تنغص حياته ومعيشته.
ولكنه بطبيعة الحال، بحاجة ماسة لدى تطبيقها، إلى آليات عليه توفيرها في نفسه، مثل التخلص من داء الأنانية والتكبر، والانصياع إلى تعاليم الشريعة السمحاء، وليس اللجوء إلى وضع تشريع وتعاليم وأحكام من عند نفسه، فضلاً عن التحلّي بجملة من الفضائل الأخلاقية، التي تنتهي إلى صياغة شخصيته الاجتماعية بما يصب في إطار وضع الشيء في موضعه واحترام حقوق الآخرين المترتبة على عاتقه.