المؤسسات الأهلية القيادية
|
*يونس الموسوي
لا يكفي أن يرفع المرء شعار الإسلام حتى يحظى بدعم الجماهير، بل لابد أن يحول الشعار الذي يرفعه إلى برنامج عمل حقيقي لأجل خدمة الأمة، أما إذا أراد أن يكتفي بالزي الاسلامي وحده دون المضمون الحقيقي فهو لايصلح للحكم حتى وإن تلبّس بألف رداء للإسلام، لأن الحاكم (اللاإسلامي) العادل خير من الحاكم (الإسلامي) الظالم، فالاسلام يكون إمتيازاً للشخص والجماعة إذا كان الأقدر على تطبيق مفاهيمه وقيمه.
فإذا رأيتم السياسي وهو ذرف اللسان، سهل الكلام، ويلعب بالألفاظ وبالأحاسيس والمشاعر أيضاً؛ فاعرفوا إنه لايصلح للزعامة، لأن السياسي المحنك هو صاحب فعل وعمل وليس صاحب أقوال وكلمات فارغة، وهو ليس بحاجة إلى أن يصنع الكلمات ويتلاعب بالألفاظ حتى يقنع الآخرين بصوابية عمله، لأن عمله الحسن هو المخبر.
أما المسؤول العاجز والضعيف الذي لايقوى على تأدية مسؤوليته فإنه سيبرع في اختيار الألفاظ والكلمات من أجل تبرير ضعفه وعجزه عن أداء مسؤولياته الوطنية والدينية والانسانية.
لكن ما مناسبة هذا الحديث؟ وما ضرورته؟ وهل على الناس الابتعاد عن مسؤوليهم وممثليهم لانهم غير جديرين؟ بالطبع الإجابة بالنفي، لان كرسي الحكم أياً كان حجمه ومكانه في مؤسسات الدولة لابد وأن يشغله أحد، فإذا أبتعد البررة عن السياسة وعن الحكم فأن الفجرة سيستولون على الامور ويتلاعبون بمصائر الناس وحياتهم كما حدث في زمن الطاغية صدام، لذا يتوجب على المؤمنين أن يشاركوا في العملية السياسية من أجل حفظ الدين والأمة.
وللمثال على ذلك: حزب العدالة في تركيا، فهذا الحزب وعلى الرغم من كل المعارضات الداخلية والخارجية التي واجهها إلا أنه نجح في التغلب على كل العقبات والعراقيل، وحظي بدعم الأمة ومساندتها، ليس فقط لأنه يرفع شعارات إسلامية، بل لأنه قدم أفضل الخدمات لشعبه ولاسيما على المستوى الاقتصادي.
فلا يكفي أن يرفع المرء شعار الإسلام حتى يحظى بدعم الجماهير، بل لابد أن يحول الشعار الذي يرفعه إلى برنامج عمل حقيقي لخدمة الأمة، أما إذا أراد أن يكتفي بالزي الاسلامي وحده دون المضمون الحقيقي فهو لايصلح للحكم حتى وإن تلبّس بألف رداء للإسلام، لأن الحاكم الكافر العادل خير من الحاكم المسلم الظالم، فالاسلام يكون إمتيازاً للشخص والجماعة إذا كان الأقدر على تطبيق مفاهيمه وقيمه.
وبشكل عام فإن الإسلام يحث الإنسان على نزع حب الرئاسة من قلبه، لأن هذا الحب يتضمن الشعور والرغبة بحب التسلط والسيطرة وهي بحد ذاتها ذميمة وليست من الأخلاق الحميدة، وهذا هو الفرق بين الثقافة الاسلامية والثقافة الوضعية التي تنمي الأنانيات لدى الفرد، وقد نقل محامي الطاغية صدام كلمة لزعيمه، وهي تبين مستوى الانانية التي كان يتصف بها ذلك الطاغية: فهو ينقل ان صدام كان يقول: (إذا كنت تريد أن تكون شيئاً فينبغي أن تكون في المقدمة، وإلا ستكون في الخلف، ولايوجد في الخلف إلا الذَنب).
خلاف هذه الثقافة هو ما لدينا نحن الشيعة، لان من طلب الرئاسة من دون كفاءة فقد هلك وأهلك الأمة، وذلك أنه سيتصرف بسوء ولايقدر على تدبير الامور فيضيع في هذه المتاهة ويعجز عن تحقيق ماكان يصبو إليه؛ فهذه مهمة لم يكلفها الله سبحانه عباده، إلا إذا كان هو الوحيد الذي يقدر على حملها وإلا وقعت بأيدي فسقة وفاجرين، فإنه هنا يتوجب عليه أن يقوم بمسؤوليته في تأدية حق الله وحق العباد.
لكن لماذا كل هذا الذم للرئاسة؟
إن الرئاسة تعني الزعامة وتعني القيادة، وهو أن يكون الرجل في المقدمة، وينبغي أن يكون عالماً وعارفاً حتى يعرف طريق الحقيقة وأن يسير فيها بكل إرادته، حتى تتجه الأمة خلفه ويقودها إلى حيث الخير والسعادة.
ونتساءل: من الذي يعرف على حد اليقين أن كل القرارات التي يتخذها الرئيس، صائبة مائة بالمائة، وأن كل الآراء التي يتبناها هي آراء سليمة ولايشوبها أي إشكال؟!
ولو افترضنا أن هذا الرئيس اتخذ على مدى طول رئاسته التي امتدت أربعة أعوام قراراً واحداً غير صائب، ماذا ستكون نتائج مثل هذا القرار على الأمة؟
أنواع المظالم المنتشرة في العالم ولاسيما العالم الإسلامي هي نتيجة قرارات غير صائبة يتخذها زعماء البلد، هذا إذا افترضنا بهم الصلاح وعدم الظلم مسبقاً، أما إذا كان الحاكم والرئيس مثل الطاغية صدام، فلا أحد ينتظر من رئيس كهذه أن يقدم الخير لأمته، لأنه سينشر الظلم والاضطهاد في أوساط المجتمع.
من هنا فأن الحل المناسب لمثل هذا الوضع هو القيادة الجماعية، أو قيادة المؤسسات وأن نشكل مؤسسة لكل شأن من شؤون الأمة وأن يتم توزيع الكفاءات والتخصصات الفردية على جميع تلك المؤسسات، ونقوم على سبيل المثال لتشكيل مؤسسة للدفاع عن حقوق الفقراء، ومؤسسة ترعى شؤون العمال، ومؤسسة للفلاحين، ومؤسسة لأصحاب الفكر والثقافة، ومؤسسة للتنمية الاقتصادية، ومؤسسة للدفاع عن حقوق الإنسان، ومؤسسة للدفاع عن الحريات العامة، ومؤسسة للدفاع عن حقوق المرأة والطفل، ومؤسسة للعلاقات الدولية، ومؤسسة للتطوير العلمي.. وبهذا الترتيب ستتشكل آلاف المؤسسات القيادية التي تقوم بأعمال البحث والدراسة والتنفيذ بالتعاون مع السلطات الحاكمة، بشرط أن لاتخضع هذه المؤسسات لسلطة الحكومة.
المشكلة التي يعاني منها العالم أجمع اليوم هي: أن الحكومة أصبحت طرفاً غير محايدٍ في اللعبة السياسية والاقتصادية، فهي على المستوى الاقتصادي لاتفكر بالمصلحة وأصحاب الأموال، وهي على المستوى السياسي أيضاً طرف منحاز لمصالح جماعة سياسية مستولية على مقادير السلطة ولاتسمح للآخرين بالمشاركة.
المشاركة الشعبية العامة عن طريق المؤسسات في تدبير شؤون البلد هي الضمانة الوحيدة لتطوره وإنمائه وتحقيق حريته وكرامته وتنظيم شؤونه، وهي الرادع لوقوع الانقلابات العسكرية أو ظلم الحكام، (لأن المؤسسات الأهلية القيادية هي المحرّكة لإرادة الأمة والداعمة لقضاياه المصيرية).
|
|