قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام

استبداد الرأي.. بداية المهالك
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة * طاهر القزويني
الرأي الصائب هو حصيلة عملية فكرية دائبة، يجب أن يقوم بها المرء حتى يصل إلى مبتغاه، وقال الإمام علي عليه السلام في ذلك (تضربوا بعض الرأي ببعض يتولد منه الصواب)، وفي نفس المعنى قال الإمام عليه السلام أيضاً (امخضوا الرأي مخض السقاء ينتج سديد الآراء).
فما الذي يُهلك الملوك؟ وما الذي يُدمّر البلدان؟ وما الذي يُقحم الناس في الحروب؟ إنه هو جمود واستبداد على رأي لملك أو رئيس أو وزير يكون سبباً لاتخاذ أكبر القرارات التي تؤدي إلى إسقاط التيجان وتغيير العروش والصولجان.
هذا الموضوع يتغلغل في عمق مصير البلدان والأمم، وعلى سبيل المثال فأن العراق دخل العديد من الحروب والمشاكل والأزمات بسبب اتخاذ قرار اناني فاشل، ومن يقرأ التاريخ السياسي لهذا البلد، وطريقة اتخاذ القرار السياسي لدى السلطة الحاكمة بإمكانه أن يفهم الأسباب الحقيقية وراء كل هذه المشاكل والأزمات التي دخلها العراق، وبالطبع فأن العلوم السياسية تطورت كثيراً وهي تقدم وسائل بحثية مهمة في هذا المضمون إلا إن للدين الاسلامي الحنيف أيضاً أُطروحته ويناقش الموضوع من قاعدته الأصلية؛ فالرأي والتجربة، والرأي وسداده، والرأي ومواقع الخطأ، والرأي والخيارات المتاحة، والكثير الكثير من الموضوعات التي تناقشها السنة الشريفة وتضعها أمامنا، لنتعلم ونتقدم وتزدهر حضارتنا، فهل تعلمنا وازدهرت حضارتنا؟ حتى إذا تعلمنا فإننا لن نعمل بهذه الحكم العظيمة التي لو كانت لدى الأمم الأخرى لكتبوها بماء الذهب وعلقوها على جدران منازلهم من أجل الحفظ والعلم والعمل.
وهذا هو الإمام علي عليه السلام يوضح أهمية هذا الموضوع ويقول (زلّة الرأي تأتي على الملك وتؤذن بالهلك)، وهنا لابد أن نعرف بأن القضية مصيرية بالنسبة إلى حياة الأمم والدول، ومن أجل تقريب ذلك إلى الأذهان نتساءل: لماذا لابد أن يكون عمر الدولة الأموية كذا من السنين؟ ولماذا عمر الدولة العباسية بعدد آخر من السنين؟ ولماذا انتهى عصر الدولة العثمانية بهذا الشكل؟ ولماذا لابد أن تكون نهاية طاغية مثل صدام بهذا الشكل؟
هناك العشرات من الأسئلة التي يمكن أن نطرحها بما يخص تاريخ البلدان والحكام، لكننا نستطيع أن نجد الجواب لتلك الأسئلة كلها في الرأي الذي يتبناه القائد ويحوله إلى قرار ملزم لكل أفراد الأمة.
وإذا تساءلنا وقلنا أ قوياً كان صدام أم ضعيفاً؟ فأن كثيرين سيقولون بأنه كان قوياً، لكن لنطّلع على رأي الإمام علي عليه السلام في الطاغية، حيث يقول: (من ضعفت آراؤه قويت أعداؤه)؛ فصدام الذي كان الحاكم الأوحد في العراق وكان بيده كل أسباب القوة والمقدرة، كما كان لديه المؤيدون، استطاع بضعف آرائه أن يحول الملايين من الناس إلى أعداء، واستطاع بغبائه أن يحول جميع شعوب العالم إلى أعداء له ويهيئ الفرصة للعالم حتى يقضوا عليه؛ فهو بهذا الشكل قد قضى على نفسه بيده، حتى إذا لم نشأ الاكتفاء بحديث الإمام علي عليه السلام فإن علم السياسة هو أيضاً يقول: ألف صديق ولا عدو واحد، وهناك كثير من المبادئ السياسية والقواعد الدبلوماسية التي تتضمن هذه القيم التي تنبذ استعداء الناس.
*الحل في المشورة*
ما يهمنا هنا رؤية الإسلام إلى هذا الموضوع، وكيفية الوصول إلى أفضل الآراء، وكما لاحظنا فإن الدين الإسلامي الحنيف يعطي هذا الموضوع أهمية خاصة ووجدنا كيف أن الإمام علياً عليه السلام يحذر من زلّة الآراء وكأنها قد تقود إلى دمار الدولة وهلاك السلطان.
إذن ما الذي يجب فعله لتجنب الآراء التافهة وغير الصائبة؟ لأن مثل هذه الآراء هي ليست حكراً على الأفراد الذين يتسمون بقلة الذكاء؛ فربما الناس العقلاء والمعروفون بالحكمة هم أيضاً يرتكبون مثل هذه الأخطاء ويتبنون مثل هذه الآراء الضعيفة، والى ذلك أشار ونبّه الإمام علي عليه السلام حيث قال: ( قد يزل الرأي الفذّ)، أي ان منزلة الآراء هي ليست مقتصرة على الجهلة وضعاف العقول بل قد يقع فيها أصحاب الحزم والعقل، لماذا؟ لأن الرأي الصائب هو حصيلة عملية فكرية دائبة، يجب أن يقوم بها المرء حتى يصل إلى مبتغاه.
وفي هذا الزمن الذي توسعت فيه الحياة وكثرت فيه مشاكل الناس، وتضخمت منه قضايا البلدان، فإنه من غير المعقول القبول بالحكم الفردي الذي يعتمد الرأي الواحد لمعالجة مشاكل البلد وقضاياه.
ليس المقصود بالحديثين اللذين أتينا بهما بخصوص صحة الآراء وسقمها هو الدعوة إلى التعددية، وإنما المقصود هو وضع الرأي في مختبر العقل وطرح الأسئلة عليه بمختلف الوجوه والأشكال، والتي تقودنا دائماً إلى نتيجة واحدة وصائبة، وبالإمكان وضع معايير وموازين كما في المنطق الرياضي لتأكيد صحة الرأي من الخطأ والزلل وسلامته، وأن تكون ثمة معايير سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها.
صحيح أن (رأي الرجل على قدر تجربته) كما قال الإمام علي عليه السلام، إلا إن هذا الحديث أيضاً يؤكد بشكل مبطن أن تعدد الآراء وتعدد التجارب، يساعد على اتخاذ القرار الصائب، فإذا كان الرأي الواحد مطروحاً للنقاش على عدد من الأفراد سيكون الحكم عليه أصوب مما لو كان الذي يناقش الرأي هو شخصاً واحداً.
لكن هذا الحديث أيضاً ينبهنا إلى أننا إذا أردنا الاستفادة من آراء الآخرين، أو أردنا الاستفادة من مستشارين في أعمالنا السياسية وغيرها فأن هذا الحديث يرشدنا إلى أن نستشير في ذلك، الرجل صاحب التجارب الكثيرة في الحياة، لأنه صاحب آراء سليمة وصائبة.
ومن هنا يقولون لنا أن نتعلم من كبار السن وأن نأخذ آراءهم ونستفيد من تجاربهم، وبالطبع ليس الجميع هم ممن استفاد أو تعلم من تجارب الحياة، فليس كلهم ممن تسيل الحكمة على لسانه، برغم انه لم يدخل الجامعة ولم يحظ بشهادة علمية لكنه يتكلم أفضل من أي استاذ.
*ماهي فائدة التجارب؟*
التجارب تمنح الإنسان القدرة في البحث عن أكثر من خيار، وذلك أن الرأي الواحد لاتتحقق فيه لاصابة إلا بعد طرح الخيارات المختلفة على مستوى البحث والنقاش فكل خيار يصلح أن يكون علاجاً للمشكلة التي يُراد حلّها، ولكن الذي يقدم خياراً على خيار هو قوته، فضلاً عن طرح جميع الخيارات الأخرى، وقد قال الإمام علي عليه السلام (من قلّب وجوه الآراء عرف مواقع الأخطاء).
لكن الذي لم يجرب الحياة ولم يستطع إعمال فكره في الآراء والخيارات المناسبة لحل المشكلة فهو بطبيعة الحال سيعجز عن مواجهة المشكلة ومعالجتها، وقال الإمام علي عليه السلام (من جهل وجوه الآراء أعيته الحيل) فلاحيلة له أمام المشكلة ولا قوة له في النظر في الآراء.
*من أين يأتي الخطأ؟*
الإمام علي عليه السلام يجيب على هذا السؤال ويقول: (اتهموا عقولكم فإنه من الثقة بها يكون الخطأ)، فالمرء الذي يثق بعقله يتخذ القرار دون مناقشة الخيارات والآراء الأخرى، لأنه يظن بأن آراءه صائبة ولايمكن أن تزل، فمن جهة سيأخذ بالرأي الضعيف، ومن جهة أخرى لايستمع إلى آراء الآخرين ولا يأخذ برأي أحدهم.
أقرب الآراء إلى الصواب هي أبعدهن عن الهوى، لأن الهوى يحرف الإنسان عن الصواب ويعميه عن رؤية الحقائق، وما من رأي خاطئ يصدره الإنسان إلا ومصدره الهوى، لأن العقل هو خير كلّه وصواب جلّه، أما إذا أردنا أن نعرف أفضل الناس رأياً، فهو عند ذلك الذي يستشير الآخرين ويستفيد من آرائهم، وبذلك يكون أفضل الناس رأياً لأنه جمع عقول الناس إلى عقله، أما المستبد برأيه فهو أكثر الناس خطأً وتداعياً نحو المهالك والمهاوي، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الشأن ومنها عن الإمام الصادق عليه السلام حيث قال: (المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل)، وقال الإمام علي عليه السلام (المستبد متهور في الخطأ والغلط) وقال(ع) أيضاً: (خاطر بنفسه من استغنى برأيه).
القانون والانسان واعترافات عبد الرزاق السنهوري
صالح شعلان كاظم الربيعي
القانون: هو مجموعة القواعد المنظمة لسلوك الافراد في المجتمع والتي تحملهم السلطة العامة فيه على احترامها ولو بالقوة الجبرية عند الضرورة؛ يقسمه رجال الفقه على فرعين أساسين هما: القانون العام والقانون الخاص، وقد جعلوا وجود الدولة بوصفها صاحبة السلطة العامة، طرفاً في العلاقة القانونية والمعيار فيما اذا كانت هذه العلاقة القانونية تخضع للقانون العام او للقانون الخاص، وكلمة القانون معربة وقد استعملت بمعنى القاعدة التي تنظم العلاقات بين شيئين أو اكثر سواء في مجال الطبيعة او الفكر والمجتمع، لذا استعملت كلمة قانون في الطب والفيزياء والمنطق والكيمياء، وهناك تقسيم آخر للقانون اقل شيوعاً.
وقد وردت في القرآن كلمة (شرعة) و(شرع) و(شريعة) و(منهاج) و(حد) بمعنى القانون الذي ينظم العلاقات الاجتماعية المختلفة وقال تعالى: "لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً...." و"ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا..."؛ بعد هذه المقدمة نسأل: هل يستطيع الانسان ان يشرع لنفسه قانوناً..؟! فاذا كانت الاجابة بنعم.... فاين الارادة الالهية من القانون البشري؟
لقد اثبت العشرات من علماء العصر ومن اختصاصات علمية مختلفة ـ من الطبيعة النووية والاشعاع الشمسي الى الكيمياء الجيلوجية وتقدير الأعمال الجيلوجية ـ بوجود خالق قدير لهذا الكون يسير بنظم وقوانين متناهية في الدقة، ثم اثبتوا ان الخالق العظيم لم يترك البشرية بلا قانون ينظم حياتهم بدلاً من الفوضى، والعبث، نعم ان الخالق تبارك وتعالى شرع القوانين اللازمة وانزلها كاملة على انبيائه ورسله (ع) وخاتم هذه القوانين هي القوانين الاسلامية التي راعى المشرع العليم الحكيم فيها كل ظروف الانسان واوضاعه وطبيعته.
فكما يحتاج التشريع الى تشخيص علمي فانه يحتاج الى العدالة التامة ويحتاج الى السمو فوق الدوافع النفسية والغريزية بأسرها التي تعود الانسان على عدم الالتزام بتشخيصات العلم، فتتدخل الحالات النفسية المرضية والدوافع الغريزية والشهوات والانانية والمصالح الذاتية التي تتحكم في دافع المشرع وبذا تكون القوانين الوضعية عبارة عن إرادة المشرع الانسان وذاته الشخصية فيتحول القانون من قانون موضوعي ينظم الحياة على أسس علمية الى قانون يعكس إرادة المشرع ونوازعه ومصالحه الذاتية، وبعبارة أخرى فإن الانسان لا يستطيع ان يشرع لنفسه قانوناً إلا ضمن منطقة الفراغ (صلاحية الحاكم الشرعي) التي تركها المقدس لمواكبة تطورات الحياة كي يستطيع الانسان استنباط الحكم الشرعي من الاصول القانونية العامة الثابتة.
وكدليل على عجز المشرع الانسان ناخذ على سبيل المثال القانون الجنائي الوضعي وتطوره؛ إذ مر هذا القانون بأربعة أطوار هي: 1ـ عصر الانتقام الخاص (الفردي) 2ـ عصر الانتقام للدين والجماعة 3ـ عصر الرحمة والانسانية 4ـ العصر الحديث، وإذا ما نظرنا للعقوبات الواردة في فترات هذه الاطوار نجد بعضاً منها مضحكة للغاية؛ ففي فرنسا مثلاً صدر قانون سنة 1810 في عهد نابليون وكان قاسياً حيث أخذ بقطع يد قاتل ابيه قبل اعدامه!!، وفي العصر الثاني كانت العقوبة بالغة القسوة وتقوم على اساس (التكفير) عن ذنب المجرم والمعدوم لارضاء الالهة بالانتقام لها!! كما احتدت عقوبة الإعدام الى إحراق الجثث بعد التنفيذ، وبقطع رأس المعدوم، اذا كان من طبقة الاشراف وبالشنق اذا كان من العامة، كما ظهرت قوانين كانت تتميز بالقسوة وتتعدى العقوبة الى أفراد عائلة المجرم خلافاً للقواعد المشهورة بشخصية الجريمة، وكان حكم المرأة التي تجهض نفسها ان تقتل ثم يعلق جسمها على عمود ولا يسمح بدفنها، والمرأة التي تجرح رجلاً جرحاً خفيفاً تقطع أصابعها فان كان الجرح عميقاً يصار الى قطع ثدييها!، اما من يقبل امرأة متزوجة بالقوة فتقطع شفته السفلى، كما ظهرت في فرنسا عقوبة الاشغال الشاقة بـ(الكالير) وهي سفن تجارية تملكها الدولة يقضي المحكوم حياته جاثماً على ظهرها، اما شريعة الملك البابلي حمورابي فحدث ولا حرج.
عود على بدء..، هاجت بي الذكريات المؤلمة وانا اشتري كتاباً قانونياً بعد ان لاحظت عليه جملة (يطلب من مكتبة السنهوري) والمقصود بالسنهوري هو الدكتور المصري عبد الرزاق السنهوري وهو احد اساتذة القانون الوصفي وهو موضع احترام كثير من رجالات القانون وغالباً ما يطلقون عليه صفة (استاذنا) وهذا الرجل اشترك في وضع مسودة القانون المدني العراقي، ذكريات يعود تاريخها الى سبعينيات القرن الماضي عندما كنت اطالع كتاب الدكتور محمد محمد حسين الموسوم (حصوننا مهددة من داخلها) حيث ينتقد فيه نقداً لاذعاً الاستاذ السنهوري الذي اعترف بانه لم يكن يعلم ان في الاسلام هذه الشمولية العظيمة في تقنين الحياة الاجتماعية الا بعد اشتراكه في لجنة وضع مسودة القانون المدني العراقي ولقائه بعلماء العراق، ويرى صاحب الحصون انه كان الاجدر بالاستاذ السنهوري ان يطلع على دينه وتراث امته بدلاً من تكبيل اياديها بالقوانين الغربية المستوردة.
ختاماً نقول: إننا لم نجد في عصر الرحمة والانسانية في الغرب الا ظهور مجموعة من المصلحين في القرن الثامن عشر امثال مونتسيكو صاحب كتاب (روح القوانين) وروسو (العقد الاجتماعي) وبيكاريا (الجرائم والعقوبات) نادت بضرورة تغيير الصورة البشعة لعقوبات القانون الجنائي وبنائه من جديد على اسس من الرحمة والانسانية، ولكن سرعان ما شرعت قوانين أبشع وأفضع كما ظهرت افكار ونظريات غريبة في صفات المجرمين، وقد زرت مجموعة من المعتقلات والسجون النازية في المانيا ورأيت آثاراً مرعبة، ولم نجد الرحمة والانسانية الا في القانون الجنائي الاسلامي حيث لا يصار الى تنفيذ العقوبة بحق السارق الا بعد تطبيق اكثر من (11) شرطاً اهمها ان يكون قد حصل على حقه الاقتصادي وذلك لارتباط التشريع الجنائي بالنظام الاقتصادي الاسلامي كون الاسلام وحدة قانونية مترابطة صاغها الخالق العظيم، يقول تعالى "وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ* الظَّالِمُونَ* الْفَاسِقُونَ" (المائدة / 44 و45 و47).
Emil: salih alrubaiey@yahoo.com