محاضرة يلقيها سماحة المرجع الديني آية الهن العظمى السيد محمد تقي المُدرّسي ـ دام ظله ـ بمكتبه في كربلاء المقدسة
لنحكّم قيم التوحيد في عملية الانتخاب
|
إعداد / بشير عباس
بسم الله الرحمن الرحيم
“له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال. ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والآصال. قل من ربّ السموات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهّار”
آمنّا بالله، صدق الله العليّ العظيم.
إن التوحيد شجرة، والشرك شجرة، ولكن التوحيد شجرة طيّبة، بينما الشرك شجرة خبيثة، والتوحيد معرفة، بالعقل وعقيدة في القلب، وحبّ في العاطفة وموقف في السلوك، وعمل في السلوك؛ هذه هي أصول وفروع وأوراق شجرة التوحيد التي يقول عنها ربّنا سبحانه وتعالى: "ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أُكلها كل حين بإذن ربّها".
أما الشرك، فهو خواء في العقل أو خواء في النفس و وساوس شيطانية في الضمير، وكراهية وعقد نفسية في العاطفة، وفوضى في السلوك، ومن ثم فوضى وفرط في المواقف.
والإنسان السوي الذي خلقه الله سبحانه وتعالى في أحسن تقويم وأراد له أن يكون جليسه في مقعد صدق عند مليك مقتدر، هذا الإنسان الذي أسجد الله لأبيه آدم ملائكته، هذا الإنسان لابد أن يسعى من أجل أن تنـزرع في قلبه وفي عقله وفي ضميره، وكذلك في سلوكه ومواقفه شجرة التوحيد لتكون هذه الشجرة هي التي تعطي الصبغة الإلهية لكل أبعاد حياة الإنسان.
وأنت أيها المسلم، الذي أنعم الله عليك ومنّ الله عليك بأن جعلك في بيت من بيوت الإيمان في أُسرة مسلمة، لابد أن تسعى بنفسك من أجل أن تنمو عندك هذه الشجرة المباركة والطيّبة، وفي المقابل تقتلع جذور شجرة الشرك التي هي كشجرة خبيثة اجتثّت من فوق الأرض ما لها من قرار؛ فتقتلع هذه الجذور وأيضاً فروعها لكي لا تُصبح حياتك مرتعاً للشيطان – والعياذ بالله – ولكي لا تكون مواقفك عبارة عن فوضى.
بعض الناس يكتفي بأن يقول ربّي الله، أو يدعي الإسلام، ويدعي الإيمان، وأنى له ذلك، ولمّا يدخل الإيمان في قلبه، عليك أيها المسلم أن تفكّر دوماً وأبداً من أجل أن تكون من أصحاب شجرة التوحيد، ليس فقط بمعرفتك بالله وبحبّك له وبعقائدك الصحيحة التي تطرد الوساوس الشيطانية، ليس فقط في هذا المجال، وإنما أيضاً في كل مناحي سلوكك؛ كلما اقتربت بسلوكك ومواقفك إلى روح التوحيد، كلما كنت أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، وأقرب إلى الخير وإلى الجنّة وإلى الصراط المستقيم.
بينما اذا نمت في نفس الإنسان شجرة الشرك – والعياذ بالله – أو بعض أغصانها، فان الوساوس الشيطانية وحب غير الله، سينمو عنده، كما تظهر عنده المواقف غير السليمة، التي لا تقوم على أُسس ثابتة، تلك الأُسس التي يقول عنها ربّنا سبحانه وتعالى واصفاً المؤمنين: "يثبّت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا"؛ فالقول الثابت يتمثل في المواقف غير الرجراجة وغير المتأرجحة والتي لا تخضع للظروف، ولا لردود الأفعال، وإنما هي مواقف تستمدّ شرعيتها من القيم الإيمانية، وهي مواقف شفافة و واضحة وبعيدة عن اللفّ والدوران.
وهذه الشجرة التي لابد أن تسعى من أجل زرعها في نفسك، ولابد أن تظهر في سلوكك في الأُسرة وسلوكك بين الأصدقاء، لكن كيف؟
البداية في القيم... فما هي قيمُك؟ إنها يجب ان تكون قيماً إيمانية وتوحيدية، في محيط الأسرة –مثلاً- وتنعكس هذه القيم على علاقتك بزوجتك وأبنائك وأخيك وأُختك وأبيك وأُمك، وسائر أفراد أُسرتك الصغيرة أو الكبيرة.
بعض الأزواج يعتقدون انهم ماداموا قد مُنحوا سلطة في بيتهم فيجوز لهم أن يظلموا، زوجاتهم أو يظلموا أبناءهم، وهذا لا يجوز؛ فالظلم بعيد عن التقوى، وربّنا سبحانه وتعالى يقول: "ولا يجرمنّكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"؛ فاذا جعل الله سبحانه وتعالى القيمومية للرجل في البيت، وأعطاه الإدارة، فان ذلك لا يعني الإدارة بلا حدود، فالله تعالى قائم بالقسط، وأمر عباده بالعدل، فكيف يعطي للإنسان القيمومية والصلاحية المطلقة، وقد يكون قليل الحكمة وقليل الفهم؟! كلا... إن تطبيق الآية المباركة "الرجال قوّامون على النساء" يكون بشرط أن يحكم الرجل بالعدل، وأن يسعى من أجل خدمة الأبناء والزوجة.
إذن؛ لابد ان تنعكس شجرة التوحيد، أيها الأخ المسلم في علاقتك مع عائلتك، ولتكن مثالاً للتضحية وللعطاء ومثالاً للعدل، ومثالاً للقول الصادق وقول الحق، وهو القول الثابت؛ وأنت في داخل أُسرتك، لا تجيّر قرابتك لتضييع حقوق أبناء الأسرة، ولا يجوز لك أن تغتابهم لمجرّد أنه من أقاربك، ولا يجوز لك أن تغتاب زوجتك أو أبناءك أو أباك أو أُمك أو أُختك أو قريبك وتقول هؤلاء أقاربي، نعم هم كذلك، ولكن لا يجوز أن تضيّع حقوقهم، لابد أن تعمل فيهم بالعدل، ومن العدل أن تراعي حقوقهم كاملة غير منقوصة.
كما يجب ان تنعكس شجرة التوحيد على علاقتك – أيها المسلم – مع زملائك في الدراسة، أو صاحبك في الطريق، أو مدير دائرتك، أو الموظفين عندك، أو الذين تتعاون معهم في حياتك، هؤلاء يجب أن تنعكس قيم التوحيد في علاقاتك معهم ومواقفك تجاههم، لذا عليك أيها الشاب الطالب ألا تختار أي إنسان صديقاً لك في المدرسة، إلا المؤمن بالله، إذا كنت حقاً مؤمناً بالله، فلابد أن تبحث عن روح الإيمان بمن يحيطون بك؛ فإذا وضع المؤمن نفسه في محور إيماني فانه سيحافظ على إيمانه، أما إذا وضع الإنسان نفسه في محور أو وسط مجموعة من غير المؤمنين مثل الفسقة والفجرة و أصحاب الشكوك والشبهات، فهو أيضاً سيبتعد شيئاً فشيئاً عن طريق الإيمان.
وكذلك فيما يتصل بموقفك إذا كنت رجلاً زميلاً لإخوانك في الدائرة أو في أي موقع آخر، لابد أن تختار بينهم الأقرب إيماناً، الأقرب إلى الله، الأرضى عند الله والأزكى عملاً حتى تقترب منه وتشكّل معه المجموعة الإيمانية الطاهرة النقيّة.
وكذلك فيما يتصل بالاقتصاد؛ فالأنبياء عليهم أفضل الصلاة والسلام كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، كانوا يتاجرون ويسافرون من أجل التجارة، وكانوا يزرعون الأرض، ويستصلحونها، وكانوا يعملون بما أوجب الله عليهم من تسخير الأرض وعمارتها وتسخير ما في الأرض من أجل خدمة الإنسان، لكن كانت لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، كانوا يضعون الله وذكر الله وتوحيدهم لله في المرتبة الأولى، ثم يعملون ويمارسون حياتهم الطبيعية، أوَليس ربّنا سبحانه وتعالى يخاطبك أيها المؤمن ويقول لك: "يا أيها الذين آمنوا لا تلهيكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون".
وفي انتخابك لشريك في تجارتك، عليك أن تعرف مع من تتعامل؟ فإن كان هناك شخصان أحدهما مؤمن وصالح وصادق، والآخر غير ذلك، فلابد أن ترجّح هذا على ذاك حتى ولو كان ذلك قد يؤدي إلى بعض الخسارة أو قلّة الربح أو ما أشبه، لأنكم أنتم أيها المؤمنون حينما تشكّلون القوة الاقتصادية فيما بينكم، فأنتم من سيدفع عجلة المجتمع نحو الخير والفضيلة والعمل الصالح، بينما إذا لم تفعلوا ذلك فان مجموعة فاسقة وفاجرة ستقود الاقتصاد والسياسة من خلال الإعلام ومن خلال الاقتصاد الى حيث الكارثة.
وهذا أيضاً يرجع إلى علاقاتك السياسية لمجرّد صداقتك مع شخص، أو حبّك له حبّاً مادّياً، قائماً على أساس العلاقات المادّية، كالمصالح المشتركة، أو على أساس العلاقات العشائرية أو الأُسرية أو ما أشبه، فكل ذلك لايجب ان يكون مبرراًَ لانتخابه صديقاً، ولكي يكون في موقع حساس في الأمة، إذ لابد أن ترى الله سبحانه وتعالى، وتفكر ما اذا كان هذا الشخص نافعاً للأمة؟ أوهو صادقا؟ أوَلم يأمرنا ربّنا سبحانه وتعالى أن نركع مع الراكعين وأن نكون مع الصادقين؟ فكيف يجوز لي أن أنتخب إنساناً أعرف أنه فاسق؟ وأنه لا يخدم الناس؟ وأعرف أنه يسرق وينهب؟! فان كل عمل سيعمله هذا الإنسان الذي سأختاره سيسجل في صحيفة أعمالي، إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
أيها الأخوة: إن الدين جوهرة ثمينة، والتوحيد مستوى عظيم ورفيع لابد أن نسعى من أجل الوصول إليه بكل قوة وحزم، غداً سنُحاسب والحساب دقيق، والله سبحانه وتعالى الذي يحاسبك وهو سريع الحساب هو الذي يراقبك اليوم وهو الشاهد الأكبر عليك، فاختر لنفسك مصيرك، وإن شاء الله لن تختاروا على الجنّة شيئاً.
فلابد ان تترسخ قيم التوحيد في علاقاتنا السياسية، وفي انتخابنا للأفراد، وفي حبّنا وتأييدنا لهم، فإذا رأيت إنساناً عادلاً وتقيّاً وصادقاً وعاملاً في سبيل الله، مسارعاً للخيرات، سبّاقاً للمكرمات، ثم أنت اخترته لكي يكون في منصب معيّن، أو في موقع معيّن، فإنّ كل حسناته، سوف يكون لك أيضاً منها نصيب، لأنك سعيت من أجل إيصال هذا الإنسان إلى هذا الموقع، وهذا الإنسان قام بهذا الدور الإيجابي، أما إذا كان العكس – لا سمح الله – فيكون العكس أيضاً، فان سيئاته تسجّل في صحيفة أعماله وفي صحيفة أعمالك أيضاً – والعياذ بالله - .
وربما تكون الانتخابات هنا وهناك غير سليمة مائة بالمائة، فقد يكون فيها التزوير، وفيها المحسوبيات، وحتى القوانين قد لا تكون شرعية مئة بالمئة، ولكن وظيفتك أنت أيها المسلم بينك وبين الله أن تكون مواقفك في الانتخابات مواقف سليمة.
ربّنا سبحانه وتعالى في سورة الرعد يبيّن لنا بأنّ دعوة الحق هي لله، أما الذين يركضون وراء السراب والمصالح في هذه الدنيا، فانهم لا يحصلون منها إلاّ فُتاتاً: "له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلاّ كباسط كفّيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلاّ في ضلال"، ثم يقول ربّنا سبحانه وتعالى: "ولله يسجد من في السموت والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدوّ والآصال"، هذه الكائنات التي تحيط بنا، هذه السموات، هذه الأرض، هذه الخلائق كلها خاضعة للرّب، وربّنا سبحانه وتعالى قد أجرى فيهم سنن العدالة وسنن الحق والمؤمن الذي يتصل بتلك السنن عبر تعاليم السماء هو الذي يصل إلى أهدافه، بينما ذلك الآخر المشرك البعيد سوف لا يحصل إلاّ على سرابه.
ثم يقول ربّنا سبحانه وتعالى وهو يبيّن الفوارق بين قيم الحق والتوحيد، وبين قيم الباطل والشرك: "قل من ربّ السموات والأرض قل الله"، فالله هو الذي يهيمن على السموات والأرض، وهو الذي قدّر وهو الذي يجري هذه التقديرات: "قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضرّاً"، لذا يجب أن تبحث عن إنسان لايكون بهذه المواصفات لتجعله في مناصب حكوميّة أو في مركز انتخابي أو ما أشبه، لان الذي يضيّع حق الله سيضيّع حقّك أيضاً؟ ثم يقول ربّنا: "قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور"، فقيمة التوحيد والهدى، هي قيمة النور، بينما وساوس الشيطان والشرك إنما هي ظلمات بعضها فوق بعض: "أم جعلوا لله شركاء"، فهل غير الله يؤثر في هذه الكائنات؟ يقول ربّنا: كلاّ لأنهم لم يخلقوا شيئاً، والله هو الخالق: "أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم"، فهل معنى هذا أن هناك خلقين: خلق الله وخلق الشركاء؟!، كلا: "قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهّار".
إذن؛ أيها الاخوة: إن في حياتنا مواقف لابد أن نكون حذرين إزاءها، سواء في علاقتنا مع أُسرتنا أو مع أصحابنا وأصدقائنا، ومع شركائنا الاقتصاديين أو مع السياسيين؛ فيجب أن ننتبه إلى أن نجعل هذ مواقف نقيّة، و مستوحاة من توحيد الله سبحانه وتعالى، بعيداً عن الدنيا، وقد تقول: الناس قد ينتخبون هذا أو ذاك، وقد يصل فلان إلى مركز معيّن ثم لا أستفيد، أقول: هذا شأنهم، أنت كإنسان مؤمن تخاف الله وتخشاه حاول أن تكون على الحق وعلى الصراط المستقيم، وإذا ضاع حقّك برهة من الزمن فالله سبحانه وتعالى سوف يعيده إليك أضعافاً مضاعفة إن شاء الله.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من الموحّدين له حقّاً، إنه ولي التوفيق.
وصلّى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
|
|