طوفان من الإسراف والبذخ الهستيري في"اتلانتس" العرب
من ناطحات السحاب الى "ناطحات النجوم" حضارة تشيد البنايات وتسلب منك السلامات والسعادات !؟
|
الهدى ـ رجاء عبدالرحمن ـ متابعات:
الى أين يريد أن يصل الانسان اليوم، بعد ان بلغ القمر، ويواصل جهده ليستكشف الكواكب ومافي الفضاء.. في حين انه يتغافل ويتجاهل، او في احسن الحالات وكأنه يبدو عاجزا عن اكتشاف نفسه التي بين جنبيه؟!، وهكذا بات يطرح تساؤل مماثل: إلى أين سيصل انسان القرن الواحد والعشرين بعد بنائه ناطحات السحاب؟ في عالم تطحن فيه القيم وملايين البشر معها فقرا وامراضا وتشردا، وفيما هو يعجز عن بناء اخلاقه وفكره ومجتمعه بالشكل والمضمون الحضاري السليم؟. هذا التساؤل يأتي في سياق جهود محمومة لتنفيذ مشروع اعلى بناء مستقبلي في العالم، بإمارة دبي، سيجعل عصر ناطحات السحاب من الماضي، فهو كما يقولون مفتخرين سيدشن عصر "ناطحات النجوم" من خلال تصميم هندسي لبناء "مدينة دبي الرأسية" التى يبلغ ارتفاعها 2400 متر.
ويقال انه سيكون هناك وبالأعلى قرب الطرف الثاني من المدينة الرأسية، حيث لا يكاد يوجد اكسجين وتكون درجات الحرارة منخفضة للغاية .. هناك سيشاهد المرء نفس المناظر التى يراها من شباك الطائرة.ولكي يصعد الى هناك ،عليه ركوب قطار "الرصاصة" ،هكذا اسموه، حيث يصعد به 400 طابق هى عدد طوابق هذه المدينة الرأسية، وهو(القطار) سيقف كل عشر دقائق او كل مائة طابق، أو كل محطة قطار، حيث ان المدينة مقسمة على اربع مجاورات رأسية كل واحدة تحتوى مائة طابق من المبنى وتنتهى ببلازا للمدينة تجتمع فيها الحدائق وكل انشطة التسوق والترفيه، ولن تتفاجأ بالطبع مع وجود مهابط طائرات الهليكوبتر للشخصيات الهامة. و المبنى أفقيا عبارة عن ستة اجزاء ثلاثة منها تلتف للاعلى مع عقارب الساعة وثلاثة تلتف عكسها وهكذا فى كل دور حتى الطابق المائة حيث البلازا التى وظيفتها التوزيع على الاقسام الافقية الستة .هذه البلازات الاربع والمبنى الذى يحتويها مع مسار القطار الرصاصة تشكل مبنى سابعاً وسط قلب المدينة رأسيا وافقيا وتلتف حوله ستة الابراج، ثلاثة مع عقارب الساعة وثلاثة عكسها ..ويبلغ ارتفاع الطابق 5 امتار، فيكون الارتفاع المسكون من المبنى 2000 متر ويعلوه 400 متر أخرى من مولدات الطاقة بنوعيها الشمسي وطاقة الرياح. المصممون وفروا 15 طابقاً تحت سطح الارض لمواقف آلية للسيارات الآلية، وهذه الطوابق الخمسة عشر تحتل كامل مساحة قاعدة المبنى التى مساحتها مليون قدم مربع، اى هناك حوالي( 1.5 ) مليون متر مربع من المواقف.
وليس بعيدا عن هذه الاجواء، كانت إمارة دبي، أقامت احتفالا خرافيا قبل حوالي عشرةايام، تكلف أكثر من 20 مليون دولارا لتدشين أكبر فندق في العالم حضره أكثر من ألفين من المشاهير وسط جو من الرقص والغناء واللهو. وفي أجواء وصفها الاعلام الاماراتي بـ(الأسطورية وتشبه حفلات ألف ليلة وليلة) وعلى شاطئ دبي انطلقت 100 ألف قذيفة نارية إيذاناً بافتتاح جزيرة النخلة وفندق أتلانتس الذي بلغت تكلفة إنشائه ملياراً وخمسمائة مليون دولار. وفي حفل الافتتاح وبعرض للالعاب النارية وصف بأنه الأضخم من نوعه في التاريخ، بلغت تكلفته لوحده ما يزيد على 10 ملايين درهم إماراتي. ونفذتها شركة "جروتشي" العالمية. و كانت هناك عشرات مراكز البارات لتقديم الخمور، و 208 موائد خرافية للعشاء خمسون بالمئة منها كانت تشعّ بالضوء من قناديل تعمل ببطاريات خاصة استُخدمت لهذا الحدث، واستخدمت في طوفان البذخ الهستيري هذا، مئات الفقرات ومواد الزينة والتجمل باهضة الثمن، منها على سبيل المثال فقط، 3000 شمعة بدرجات مختلفة من اللون الأخضر والأزرق والأبيض، و أذناب طاووس كاملة زيّنت وسط الموائد، و7199 متراً من السجّاد، وأكثر من 402 متراً من السياج الذهبي على شكل قبب عربية استُخدمت لبناء المسرح والمقصورة الملكية، و ما يقارب 5500 متر من النسيج استُخدمت في الديكور، و15 ألف قرنفلة حمراء. ويبلغ ارتفاع أبراج أتلانتس 103 متراً ويتكون الفندق من 1539 غرفة تطل على مياه الخليج، ويقول المسؤولون عنه انهم بدأوا بقبول طلبات الحجز فيه منذ شهر فبراير الماضي، ويتولي خدمة نزلاء الفندق حوالي 3500 عامل. و تتراوح تكلفة الإقامة فيه ما بين 700 إلى 25 ألف دولار لليلة الواحدة. وتؤكد إدارة الفندق أن 23 % فقط من النزلاء سيكونون من الشرق الأوسط بينما تركز حملتها التسويقية لاجتذاب الكم الأكبر من السياح من الأسواق الأوروبية والأمريكية والآسيوية.
وجاء هذا الافتتاح الذي اثار استهجان بعض الاوساط حتى داخل الامارات نفسها، جاء في وقت يعاني فيه العالم من أزمة مالية طاحنة، وترزح فيه شعوب دول اسلامية وعربية تحت نير الفقر والازمات، ابرزها الوضع المأساوي الفلسطيني قطاع غزة الذي فيه اكل الناس مؤخرا اعلاف الدجاج والحيوانات، فيما لايزال الظلام الدامس يلف لياليهم التي ماعادوا يجدون لانارتها حتى ولو بعضا من شموع احتفال"اطلانتس" دبي.
حقاً ـ وكما يقول سماحة آية الله السيد هادي المُدرّسي ـ : إن الحضارة القائمة أعطتنا البنايات وسلبت منّا السلامات. وأعطتنا الاختراعات وسلبت منا السعادات. وأعطتنا التجملات وسلبت منا العدالات. فافترقنا عبيداً وسادات. وشحّذت فينا الشهوات، وأنستنا عبوديتنا لربّ الأرض والسماوات..
|
|