قسم: الاول | قبل | بعد | الاخير | عناوين اقسام | عناوين جميع اقسام
تَأملات عـلى رُبا مكة
مقتبسات من كراس"25 حكمة من حِكم الحج" لسماحة آية الله السيد هادي المُدرّسي
لمشاهدة الصورة لحجم اكبر إضغط علي الصورة الممثلون الحقيقيون لشعوبهم
في الحج «أمم متحدة » في «مجلس أمن » يعمّه الإيمان، والناس العاديون هم الممثلون الحقيقيون لشعوبهم. فإذا وجدتَ زنجياً من عامة الناس، فهو ليس شخصاً عادياً، لأنه يمثّل كل القارة السوداء. وإذا وجدتَ أحداً من آسيا فهو أيضاً ليس شخصاً عادياً، لأنه يمثل كل القارة السمراء. وإذا وجدتَ أحداً من أوروبا فهو كذلك ليس شخصاً عادياً، لأنه يمثل كل القارة البيضاء. هنا تمثيل حقيقي للأمم والشعوب، وهو تمثيل لم يأت عن طريق الانتخابات المزوّرة التي يتدخل فيها المال الحرام والإعلام الكاذب، وليس الممثلون هنا يبحثون عن الكراسي والمناصب، فهم لم يأتوا لكي يأخذوا بل لكي يعطوا، ولكي يتنازلوا لا لكي يعلوا.
اكتشاف الموطن
في الحج أنت غريب بين الأحبة، وقريب في الغربة، فمع أنك بعيد عن أهلك ودارك، إلاّ أنك تشعر أنك في وطنك.. ففي الحج تكتشف موطنك الحقيقي، لأنّ من يكون مع الله لن يكون في غربة، فالإيمان هو الوطن، والوطن ليس ما تكون فيه، بل ما يكون فيك. ففي الحج تكتشف أن لا شيء غير الإيمان يستحق السُكنى فيه، أو السكون معه، أو السَكن إليه.
بعين واحدة
في بيت الله ترى الناس بعين واحدة بكل ما فيهم من الأجناس والأعراق، إذ تختلط الألوان والأجساد واللغات. ففي هذا البيت تضيع الجهات فيما لا جهة له، فأينما تولّوا فثمّ وجه الله.. فالكعبة لا جهة لها، ولا يختلف فوقها عن تحتها، ولا يمينها عن شمالها. المهم هنا أن تحدد المحور، وأن تطوف وقلبك إلى جانبه. الكعبة سوداء، وفي بيت الله الحرام فإن سواد البشرة ليس عيباً، بل له امتياز بشرط أن يكون دليلاً على بياض القلب. وأنت هنا جئت لكي تطلب من الله أن يغسل ذنوبك ويبيّض سواد قلبك، فالمصيبة أن تكون للمرء بشرة بيضاء وقلب أسود، أما العكس فهو امتياز.
حَـجّـان
الحجُّ حجّان:حجّ يقترب المرء فيه إلى البيت. وحجّ يتقرّب فيه إلى ربّ البيت. حجّ يرحل المرء فيه إلى الأرض المقدّسة. وحجّ يرتحل فيه إلى الروح المقدّسة. حجّ يترك المرء فيه عياله. وحجّ يهتم فيه بعيال الله. حجّ يتعرّف فيه المؤمن على الناس ليصادقهم. وحجّ يتعرّف فيه على النفس ليقاطعها. حجّ يسافر المؤمن فيه إلى بيت الله بجسده. وحجّ يقيم بيت الله في روحه. حجّ إلى الكعبة ينتهي. وحجّ من الكعبة يبتدئ. حجّ يلبس فيه الحاج لباس الإحرام.وحجّ يلبس فيه لباس التقوى. حجّ يطلب فيه مقام إبراهيم، ليصلي فيه. وحجّ يطلب فيه إبراهيم، ليقتدي به. حجّ يهرول فيه المرء في المسعى. وحجّ يعرج فيه إلى السما. حجّ يطلب الحاج فيه مِنى. وحجّ يترك فيه ما تمنّى. حجّ يطلب المرء فيه الدار. وحجّ يبحث فيه عن الديّار. حجّ يعود المرء منه ليقول: لم أر ربّي. وحجّ يعود منه ليقول: لم أكن لأعبد ربّاً لم أره. حجّ يترك المرء فيه الفسوق والعصيان في حين الإحرام. وحجّ يترك فيه المعاصي في جميع الأيام. حجّ يقف الحاج فيه بمنى ليطلب من الله رحمته. وحجّ يقف فيه ليستلم منه جائزته.
مِفْصلٌ تاريخي
الحج انغماس في بحر رحمة الله وغفرانه .فأنت ضيف الله. تنزل في بيته بدعوته، طالباً منه عفوه وعطفه وعطوفته. أنت محتاج، وهو جواد كريم .وليس من عادة الكريم أن يستضيف أحداً في داره، ثم يمنعه عطاياه. يقول الإمام علي (ع): « الحاج والمعتمر وفد الله، وحقٌّ على الله تعالى أن يُكرم وفده، ويحبوه بالمغفرة» ومن هنا فإنّ الحج بالنسبة إلى كثيرين مِفْصلٌ تاريخي تتغير فيه أحوالهم، وأخلاقهم وأعمالهم.فربما يذهب أحدهم إلى بيت الله وهو من أهل النار،ليعود وقد وجبت له الجنّة، فيكون قبل الحج شخصاًعادياً، وبعد الحج يصبح ربّانياً، عليه صبغة الله، ومن أحسن من الله صبغة. إذ يعود من الحج أكثر إيماناً، وأفضل أخلاقاً، وأوفر نيّة،وأحسن تقوى.
التمايز الحقيقي
في الحج يستضيف الربُّ عباده بلا تمييز. وأي عبد أراد أن يتميّز على غيره بشيء، إنما يرتكب خطيئة كبرى يُبطل بها حجه، أو يدفع عليها الكفّارة.هنا تتعلّم أن التمايز الحقيقي بالجوهر وليس بالمظهر .وأن أيّ شيء لا يمسُّ القلب فهو سراب وخيال وقبض الريح. هنا القلوب هي الموازين، لا الأموال، ولا الأولاد، ولا المناصب، ولا العشائر. «فكلكم لآدم، وآدم من تراب» والأكثر التصاقاً بالتراب، والأكثر تواضعاً لله، هوالأعظم عند ربّه «وإنّ أكرمكم عند الله أتقاكم» .في الحج إلغاء لجبروت المال، ولسطوة القدرة،ولغرور العلم.هنا أفضل الناس، أخشعهم لا أقواهم. وأحسن الناس أتقاهم لا أغناهم. وأعظم الناس أطوعهم لاأكبرهم. هنا تطبيق لقول رسول الله (ص): «لا فضل للعربي على العجمي، ولا للأحمر على الأسود إلاّ بالتقوى». فالمعادلة في الكون هي واحدة: إن للكون ربّاً واحداً،ولا يملك ما عداه إلاّ العبودية له.
أمر مختلف
في الحج تفقد الألوان، معناها. وتفقد الامتيازات، قيمتها.وتفقد الوجوه، تميّزها .فالعمائم والتيجان تتساقط على الأرض، أو يخفيها أصحابها كأنها «عار» عليهم، لا «فخار» لهم. ففي الحج يتساوى الناس أمام الله كأسنان المشط. ومايميّزهم ليس ما يُرى بالعين، بل ما لا تراه العيون.الامتياز هنا فيما لا يُرى، وفيما لا يُقال، وفيما لا يُوصف.هنا أمر مختلف عن كلّ أسفارك، فأنت في كلّ رحلاتك خلال العام تبحث عن شيء يرتبط بمصالحك أوملذاتك، إلاّ ما يرتبط بقلبك.أمّا هنا فأنت تبحث عن شيء واحد هو ما يرتبط بقلبك، وتهمل كل ما عداه .