في ذكرى استشهاده...
الإمام الباقر (عليه السلام)... فقه الجهاد
|
عرف الإمام محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ابي طالب عليهم السلام بانه باقر العلم النبوي، وقد ارسى بيديه الكريمتين اول مدرسة علمية في التاريخ الاسلامي قبل ان تجد الافكار والتوجهات القادمة من الغرب مكاناً لها في الثقافة الاسلامية، الا ان هذا لا يعني ان الامام الباقر عليه السلام كان بعيداً عن التغيير والإصلاح السياسي والاجتماعي وهي المسيرة الماضية في طريقها منذ الهتاف الاول للرسول الاكرم صلى الله عليه وآله في مكة، حتى آخر هتاف يطلقه الامام الحجة المنتظر من مكة ايضاً.
نعم.. ان للامام الباقر دوراً كبيراً واساساً في ترسيخ مفهوم الثورة على الواقع الفاسد، حيث اكمل الدور الرسالي العظيم الذي نهض به والده الامام زين العابدين عليه السلام الذي فجّر الثورة العارمة في النفوس والضمائر بأدعيته ومناجاته الروحانية، بعد ان تفجرت أمام اعين المسلمين الثورة الدامية على صحراء كربلاء؛ فماذا عمل الامام الباقر عليه السلام؟ للإجابة على هذا السؤال لابد ان نبين ان كل إصلاح وتغيير في المجتمع بحاجة الى ثلاثة اركان وهي:
1/ الخلفية الروحية (بعث الروح).
2/ الخلفية الثقافية (اثارة العقل).
3/ التفجير الثوري (تعبئة الطاقات).
وهذه الاركان تأتي قبل الانتصار، وهناك اركان تاتي بعده من جملتها وضع البرامج الواضحة للاصلاح والتغيير.
الخلفية الثقافية والاحساس بالحاجة الى الثورة
حيت تقوم باي عمل فلابد من الاحساس بالحاجة اليه، فلو لم تكن الحاجة النفسية موجودة لما قام الانسان باي عمل في الحياة.
مثلاً لو لم تكن حاجة الى المسكن لما بنيت هذه البيوت، ولو لم تكن هناك حاجة الى النقل والانتقال لما كانت هذه السيارات والشوارع المعبدة.
ان الحاجة تدفعك الى القيام بعمل ما، واذا لم يكن لدى امة من الامم احساس نفسي بضرورة الاصلاح والنهوض، فانه من غير الممكن لا بل من المستحيل دفع هذه الامة نحو الإصلاح، والعمل او التضحية في سبيله، وخصوصاً وان الاصلاح بحاجة الى تضحيات كبيرة والى نكران الذات، مما لا يقدم عليه الفرد الذي لا يشعر بالحاجة الى الإصلاح ولا يتطلع نحو تحقيقه.
ويبقى سؤال: كيف يمكن ايجاد روح التطلع نحو الاصلاح والنهوض في امة من الامم؟
يمكن ذلك بايجاد روح الثورة في هذه الامة، ونعني بذلك معرفة اهمية الاصلاح وضرورته وبعث الامل في النفوس بامكانية النهوض وذلك عبر اعطاء التطلع والهمة العالية لتحقيقه، وهذا يسمى بعث الروح في الامة.
قد ترى ان شعباً من الشعوب يبقى 400 عام يرزح تحت نير الاستعمار، فيقتل وتنهب امواله وثرواته ويستعبد ويظل هذا الشعب مستسلماً لمستعبديه وغاصبيه.
وبعدئذ ياتي من يبعث فيه الروح، وقد لا يقول لهم شيئاً الا كلمة واحدة: (ايها الشعب انتفض، تحرك، ثر، انهض)؛ فاذا بهذا الشعب يثور ويتحول الى مرجل، واذا بالاستعمار يلملم امتعته ويرحل، كما حدث بالنسبة للشعب الهندي والشعب الصيني، وكما حدث تاريخياً للشعب العربي حينما جاء نبينا صلى الله عليه آله وبعث فيه روحاً دفعته الى القيام والنهوض، فاذا باولئك الحفاة الجفاة الذين كان يأكل بعضهم بعضاً، اصبحوا سادة العالم، واذا بشاب تربى بتربيتهم (طارق بن زياد) يقدم على بلد من اجمل بلاد العالم واقواها وهي الاندلس القديمة ويفتحها، وكان الجيش الاسلامي حينها لا يمتلك الا الاسلحة الخفيفة حسب مفاهيمنا الحاضرة، والسبب في انتصار هذا الجيش كان امتلاؤه بالروح المتصلة بالسماء، ان تلك الروح دفعته للفتوحات الهائلة.
فأية ثورة اصلاحية بحاجة الى هذه الروح بعد ذلك تحتاج الى ثقافة ثورية متكاملة تدعم تلك الثورة، فلو لم تكن لدى الشعب ثقافة ثورية متكاملة، وكانت مكانها ثقافة الاستعباد والاستغلال لكانت الروح وحدها لا تعني شيئاً، واذا اعتقد شعب بكامله، كالشعب الهندي مثلاً ان الرجل الابيض خير من الرجل الاسمر، اترى ان صيحات غاندي كانت تستطيع ان تحرك هذا الشعب؟ كلا..لان مثل هذا الاعتقاد لا يدعه يتحرك.
فاذا اردنا الإصلاح والتغيير فاننا بحاجة الى ثقافة ثورية متكاملة تدعم عقيدة الاصلاح، ثم تحتاج العملية الى تعبئة الطاقات وتفجير الثورة.
هكذا كان دور الامام زين العابدين في الحركة الرسالية حيث بعث الروح الثورية في المسلمين ثم جاء دور الامام الباقر عليه السلام ليعطي فكرة متكاملة عن الاصلاح الاجتماعي للأمة الاسلامية.
فالامام زين العابدين قام ببعث روح الجهاد، بينما نجد الامام الباقر عليه السلام يطرح الخلفية الفكرية والثقافية لتأجيج هذه الروح.
فماذا عمل الامام الباقر عليه السلام خلال العشرين عاما من عمره، بعد ان استلم مقاليد الامامة من والده الامام علي بن الحسين عليه السلام؟
لقد سمي الامام الباقر لانه بقر العلم، وقد سمع منه محمد بن مسلم ثلاثين الف حديث وقيل تسعين الف حديث.
ونحن نتساءل: هل كانت أحاديث الامام الباقر حول مسائل الطهارة والنجاسة فقط؟
بالطبع ليس من المناسب لبيت النبوة ومهبط الوحي ان يشغل نفسه بقضية جزئية كقضية الطهارة والنجاسة فقط، وانما مثل هذه المسائل كانت لا تشكل الا جزءاً بسيطاً من المنظومة الفكرية التي اضطلعوا برسم معالمها وفقاً لنور الرسالة المحمدية.
وبإجماع المؤرخين فان الامام محمد بن علي الباقر عليه السلام وهو الذي طرح نظرية الامام الاسلامية بشكل متكامل، بمعنى انه بين للامة الاسلامية كيف يجب ان تكون القيادة الاسلامية؟ ومن هو الامام؟ ولماذا الحاجة الى الامام؟ وما هي وظيفة الامام ومسؤوليته؟
علم الامام الباقر لسعادة الانسانية
ان العلم الذي بقره الامام بقرا، هو ذلك العلم الذي يحتاج اليه الانسان وهو الذي من اجله بعث الله الانبياء وأرسل الرسل.
ان العلم المطلوب هو العلم الذي يبين كيف يمكن للانسان ان يصلح نفسه ومجتمعه، لذلك لم يأت الانبياء بعلم فلق الذرة وصنع الصاروخ، وكيفية بعث مركبة فضائية الى المريخ، بل شغلوا انفسهم بإصلاح الناس وإثارة المحرومين ضد الظالمين، واعطائهم طرق كيفيات العمل والتحنك في مواجهة المفسدين والمستكبرين في الارض.
انما فعلوا ذلك لأن هذا هو اهم حاجة للانسان والا فماذا يجدي الانسان ان يصنع مركبة فضائية ويذهب الى أعالي السماء ثم يصب من هناك القنابل الذرية والهيدروجينية على اهل الارض لتدميرهم؟!
الامام الباقر يواجه الافكار التبريرية
فالائمة المعصومون عليهم السلام والامام الباقر بالذات بين معالم الفكر الرسالي المسؤول للمجتمع، والسبب في ذلك ان هناك افكاراً تبريرية انتشرت في عصر الامام الباقر عليه السلام كأفكار المرجئة وهم الجماعة الذين قالوا بان (الافضل لنا ان لا ندين الرجال، بمعنى ان لا نحدد موقفنا من الرجال السابقين، ونرجئ ذلك الى يوم القيامة، والله سبحانه وتعالى هو المسؤول فقط)! فمعاوية والإمام علي عليه السلام مثلاً تحاربا وذهبا الى ربهم، وهو الذي يحاكمهم، فليس من وظيفتنا ان ندين احدهما ونحدد الموقف من هؤلاء ونقف الى جانب احد الطرفين، وقالوا استنادا للآية الكريمة: "وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ"
لقد كانت حركة المرجئة تبريرية، كما كانت حركة القدرية التي بثها الحسن البصري والتي تقول بان اي حاكم انما يجيء الى الحكم بأمر من الله اي بالجبر ونحن لا نستطيع ان نخالف أوامر الله.
ولم يقتصر الامر على الجانب السياسي انما شمل كل الاصعدة وخصوصاً ان عهد الامام الباقر عليه السلام شهد افكاراً متناقضة لان الامة وصلت الى مستوى من الفوضى السياسية في جميع النواحي، لذلك احتاجت الى نظريات، فأخذ كل انسان يطرح نظريته.
ومن هنا تعددت النظريات الفقهية، فالمذاهب الاربعة التي نشأت تقريباً في زمان الامام الباقر عليه السلام وكانت من بين عشرات المذاهب الاخرى، كانت قد انتشرت آنذاك، واصبحت الامة تعيش بلبلة فكرية عجيبة انشغلت بعدها بأشياء تافهة واصبح اليأس يدب في نفوس ابنائها، وفي ذات الوقت كانت الامة بحاجة الى رجل فقيه اخذ علمه من اصفى المنابع وكان ذلك هو الامام الباقر عليه السلام.
فقد كان الامام الباقر عليه السلام ليس اماما للشيعة فقط، اتخذته السنة اماما، وتأثرت به المذاهب السنية كافة، ربما اكثر مما تاثر الشيعة به، فهو الذي اعطى الفئات الاسلامية كافة الفكر الرسالي المرتبط بكليات الرسالة وقضاياها الاسياسية، فقد اعطى الامام عليه السلام الخلفية الفكرية للحركة الثورية الرسالية في الامة، لكن الامر كان بحاجة الى تركيز واطار ليظهر بشكل كامل واضح المعالم، فجاء زيد بن علي اخو الامام وعم الامام الصادق عليهما السلام لينهض بهذه المهمة البطولية ويفجر تلك الثورة المدوية بوجه الحاكم الاموي هشام ابن عبد الملك.
وما يميز زيد عن غيره ممن ثار على الظلم والطغيان في تلك الفترة هو قربه الى الشريعة الحقيقية والرؤية الرسالية النابعة من اهل بيت النبوة، وقد اتفق المؤرخون على ان زيداً لم يخرج ويثور لمصالح شخصية وآثارية خاصة وانما انطلق بدوافع رسالية وفق خطة مدروسة رسمت معالمها وفق توجيهات أئمة اهل البيت عليهم السلام.
ومن الكم الهائل من الروايات التي تحدثت عن شخصية زيد واهداف ثورته المجيدة، نجد الصدق في دعوته الى الرضا من آل محمد وهو يعني اعادة الخلافة الى اصحابها الشرعيين، ولو قدر لزيد النجاح في خطته، لكان قد وفى بعهده، وهو ما يؤكده الامام الصادق عليه السلام حيث اندلعت الثورة في عهده، (رحم الله عمي زيداً، لو ظفر لوفى، انما دعا الى الرضا من آل محمد وأنا الرضا...)
ونرجئ الحديث عن هذا البطل المغوار الى مناسبة اخرى اذ لزيد حق عظيم وكبير جداً في اعناق كل الثائرين والمصلحين لانه يعد اول من شق طريق الثورة من منطلقها الاول وهو كربلاء، والى يومنا هذا، فقد كان حقاً ثائراً وفقيهاً في وقت واحد، وهو لم يكن كذلك لولا التربية الرسالية للامامين السجاد والباقر عليهما السلام.
|
|